قصه كامله

لمحة نيوز

الجزء الأول
لما “منى” وصلت لبوابة مزرعة “السكينة” القديمة، كان تراب طريق الفيوم لازق في فستانها الأزرق كأنه جزء منها. كانت حامل في الشهر الثامن، وكل خطوة كانت بتكسرها من جوه قبل ما تكسر جسمها.
رجليها كانت وارمة من الحر اللي عدّى الأربعين، وإيدها ماسكة شنطة جلد قديمة فيها كل حياتها: 3 قطع هدوم… وكمية وعود اتكسرت ومبقاش لها أي معنى.
شمس العصر كانت مغرقة المكان بلون دهبي باهت، مخلية الحيطان القديمة المتشققة تبان أكتر كأنها بتصرخ من الوحدة. البيت كان لسه واقف… نفس الساحة الواسعة، ونفس شجرة الجميز المايلة جنب البير… نفس المكان اللي اتعاهدت فيه هي و”ياسين” على الحب وهما مراهقين.
الباب الخشب اتفتح فجأة…
وظهر “ياسين” قدامها.
قميصه مبلول عرق من شغل الأرض، وجزمته عليها طين القصب. لحظة واحدة بس… قلب منى وقع.
10 سنين ما شافوش بعض، بس النظرة ما اتغيرتش. نفس العيون اللي كانت بتخليها تحس إن الدنيا كلها بتلف حواليهم.
ياسين ما اتحركش.
بصلها بصمت، وبعدها عينه نزلت على بطنها

الكبير… وملامحه اتجمدت.
مفيش حضن… مفيش كلام… مفيش دمعة.
الصمت كان تقيل لدرجة إن صوت الحشرات كان بيكسر الأعصاب.
منى رجعت… مش لأنها عايزة، لكن لأنها ما بقاش ليها حد.
أبوها “عم أنسيمو” أجبرها تتجوز “حسام البحيري”، راجل غني بس قلبه أسود، وكان بيكره ياسين وبيشوفه أقل منه. دلوقتي حسام مات… والديون رمتها في الشارع.
بصوت مكسور قالت: “أنا عارفة إني ماليش حق أبقى هنا…”
ياسين نزل ببطء، وقف قدامها، ريحته تراب وشقا ووجع سنين.
لحظة ضعف عدت في عينه… بس اتدفنت بسرعة تحت برود قاسي.
من غير كلام، خد الشنطة من إيدها، وأشار على أوضة ورا البيت.
“فيه سرير ومية نضيفة… اقعدي لحد ما تولدي… وبعدها تمشي.”
منى دخلت، قلبها بيتكسر من الإحساس بالرفض.
وأثناء ما بتحط حاجتها تحت السرير الخشب… إيدها خبطت في صندوق حديد قديم مستخبي.
فتحته…
وهنا صدمتها.
مئات الصور ليها… متقصوصة من جرائد، وصور متاخدة من بعيد كأن حد بيراقبها سنين.
ومعاهم ورقة مكتوب فيها: “لو رجعت… متخليش عينيها تشوف الدم اللي
في إيديا.”
وفجأة…
صوت صرخة حيوان بره…
وصوت عربية بتقرب من المزرعة…
ومن هنا بدأت الكارثة.
الجزء الثاني
صوت الموتور وقف قدام بوابة المزرعة.
منى بصّت من الشباك وهي مرعوبة…
عربية سوداء نازلة في التراب.
نزل منها “رودولفو البحيري”… أخو حسام، راجل معروف بالقسوة وتجارة الحاجات المشبوهة.
ياسين خرج يقف قدامه، مانع طريقه.
قال رودولفو بسخرية: “أنا جاي أخد حقي… الست دي في بطنها ورث عيل البحيري… ودي ملكنا.”
ياسين رد بصوت تقيل: “هي مش ملك حد… امشي من هنا قبل ما أخلص صبري.”
ضحك رودولفو: “لسه بتحبها؟ دي باعتك زمان للفلوس… ودلوقتي جاية راجعة للخراب.”
منى خرجت تصرخ: “كفاية! حسام خلّفلي ديون وضرب… أنا مش عايزة حاجة منكم!”
لكن رودولفو هدد: “قدامك 48 ساعة… يا تيجي معايا، يا أحرق المكان ده عليكي وعليه.”
العربية مشت…
والصمت نزل تقيل على المكان.
في نفس الليلة…
منى سألت ياسين عن الصندوق.
وفجأة انهار.
قال بصوت مكسور: “كنت بشوفه بيكسرك كل يوم… كنت عايز أقتله… بس خوفت أسيبك لوحدك…”
وبعدين
اعترف بالحقيقة الصعبة…
إن ليلة موت حسام ما كانتش حادثة…
هو اللي سابه يقع في النهر وهو مخنوق من الغضب… لأنه كان بيحميها.
منى انهارت، بس قبل ما تكمل صدمتها…
صرخة ألم شديدة خرجت منها.
الولادة بدأت.
المعجزة والتهديد
ياسين شالها، وبدأت معركة الولادة في المزرعة، من غير دكاترة ولا مساعدة.
ساعات من الألم والصراخ…
لحد ما الطفل اتولد.
صوت عياط قوي ملأ المكان.
ياسين مسكه بإيده وهو بيبكي.
لكن قبل ما يفرحوا…
صوت عربيات رجعت تاني.
رودولفو رجع… ومعاه رجالة مسلحين.
لكن فجأة…
رجالة من القرى حواليهم ظهروا، مسلحين بالعصي والبنادق، بقيادة عم “حسن الكبير”.
المواجهة خلّت رودولفو يهرب وهو بيهدد، بس المرة دي اتكسر.
النهاية
بعد أسابيع…
المزرعة بقت هادية.
منى قاعدة جنب ياسين، والطفل في حضنها.
الوجع اتحول لسكينة.
قال ياسين: “اتأخرنا سنين… بس رجعنا لبعض في الوقت الصح.”
وبينهم وعد جديد… من غير خوف ولا هروب.
وسمّوا الطفل “ياسين الصغير”…
وبقت المزرعة معروفة باسم جديد: “مزرعة البداية
الجديدة”
لأن الحب الحقيقي… بيرجع حتى بعد ما الدنيا تكسّر كل حاجة.

تم نسخ الرابط