صدفة على العداد: عندما تصبح المشوار الغلط هو الاتجاه الصححكايات شروق خالد
«دكتورة هلكانة ركبت عربيتي بالغلط... وبعدين سألتني: ممكن أركب العربية الغلط تاني؟»
الدكتورة اللي كان باين عليها الهلاك طلعت عربيتي الفيرنا الفضي، رمت شنطتها على الكنبة الورانية، وغمضت عينها.
«على البيت، بعد إذنك.»
بس كان فيه مشكلة واحدة.
أنا مكنتش السواق اللي هي طالباه.
الساعة كانت معدية إدناشر بالليل بره مستشفى القصر العيني. كانت لسه لابسة السكراب الأزرق تحت البالطو الأبيض، والسماعة مدلدلة جنُب جيبها. شكلها كان مهدود تماماً لدرجة إنها غالباً شافت عربية فضي، فتحت الباب، وسابت الباقي على ربنا.
لفيت لها بنص جسمي.
قلت لها بصوت واطي: «أنا ممكن أوصلك البيت.. بس محتاج العنوان الأول. ويا ريت أي إثبات إن أنا السواق اللي طلبتيه فعلاً.»
فتحت عينها.
مدت إيدها لموبايلها وضغطت على زرار الباور.
مفيش.
جربت تاني.
برضه الشاشة سودا.
بعدين بصت لي برعب مفاجئ.
«أرجوك قول لي إن اسمك رامي.»
«اسمي رامي.»
كتافها نزلت براحة.
«الحمد لله.»
«بس رحلتك مش معايا.»
قعدت لعدلها ومالت لقدام.
«مش معاك؟»
«لا.»
ولأول مرة، كانت فايقة بالكامل.
شرحت لي إنها
نا Cast لها وصلة الشاحن.
سألتني: «أنت مش هتحرك؟»
«مش هتحرك غير لما تعرفي أنتِ فين، وأعرف أنا مفروض أوديكي فين.»
دي كانت أول لحظة تبص لي فيها بجد.
مش بتبص من خلالي.. كانت بتبص عليّا.
استنينا لحد ما الموبايل فتح وأخيرًا دبت فيه الروح.
بصت في الشاشة.
وبعدين ضحكت ضحكة صغيرة متلخبطة وتعبانة.
«أنت أكيد بتهزر معايا.»
بصيت لها.
«فيه إيه؟»
رفعت عينها ببطء من الموبايل.
«اسم السواق بتاعي رامي برضه.»
بس الغلطة مكنتش خلصت لحد هنا.
لغت الرحلة الثانية، وادتني عنوانها، وشغلت العداد أخيرًا. مكنش حد فينا يعرف إنها قبل ما تنزل من عربيتي، كانت هتسألني سؤال مكنتش متوقعه خالص.
حكايات شروق خالدمشيت بالعربية في زحمة الشوارع الهدية بتاعة نص الليل. الصوت الوحيد في العربية كان صوت التكييف وصوت الشاحن وهو بيملى الموبايل بالراحة.
من المراية، كنت بلمحها كل شوية. كانت ساندة رأسها على الشباك، عينيها مقفولة بس مش
«يوم صعب؟» سألتها بالراحة عشان مأزعجهاش.
فتحت عين واحدة وابتسمت ابتسامة باهتة: «١٨ ساعة في الطوارئ.. حالتين حادثة، وطفل كان عنده انسداد في الشعب الهوائية. ملقيتش وقت أشرب فيه بق مية.»
«الله يكون في عونك.. شغلانتكم بتسحب الروح.»
تنهدت وقالت: «بس لما الطفل ده فتح عينه ومسك في إيد أمه.. التعب كله بيروح. المشكلة بس في الطريق المروح، بتحس إن طاقتك صفر ومش قادر حتى تتكلم.»
مسكت أول يو-تيرن ورجعت في السكة اللي رايحة ناحية المعادي، وقبل ما نوصل بسكتين، وقفت قدام سوبر ماركت شغال ٢٤ ساعة.
بصت لي باستغراب: «إحنا وقفنا ليه؟»
«دقيقة واحدة بس.»
نزلت وجبت أزازة مية باردة، وعصير برتقال فريش، وعلبة بسكويت بالشكولاتة. رجعت العربية واديتها لها.
«عشان نسبة السكر في دمك بس.. مش هيصح تنزلي وتطلعي بيتك وأنتِ كده.»
بصت للحاجة اللي في إيدها، وبعدين بصت لي. عينها لمعت بنظرة غريبة، نظرة حد مكنش مستني أي حنية من العالم في الليلة دي. أخدت العصير وشربت نص أزازة المية في بقة واحدة.
«شكراً يا رامي.. أنا بجد
وصلنا قدام عمارتها في المعادي. وقفت العربية وشغلت نور الصالون عشان تعرف تلم حاجتها. جابت الشنطة، وجت تدفع المبلغ اللي طلع على العداد، ومعاه بقشيش محترم.
«ده كتير يا دكتورة.»
«تستاهله.. أنت أنقذتني الليلة دي. ومش بس عشان التوصيلة.»
نزلت من العربية، ووقفت عند الباب المفتوح، الهواء البارد بتاع الليل بيطير شعرها. بصت لي شوية وهي مترددة، وبعدين مالت على الشباك وسألتني بابتسامة دافية خلت كل التعب يختفي:
«هو أنت بتعدي من قدام القصر العيني كل يوم في نفس الوقت ده؟»
ابتسمت وقلت لها: «على حسب الشغل.. بس ممكن أكون هناك بكرة الساعة إدناشر بالظبط.»
ضحكت، وقالت الجملة اللي غيرت كل حاجة:
«طيب ممتاز.. عشان لو موبايلي فصل تاني، أبقى عارفة: ممكن أركب العربية الغلط تاني؟»
«العربية مش هتبقى غلط المرة الجاية يا دكتورة.. هكون مستنيكي.»
نزلت، وقفلت الباب بالراحة، ومشت ناحية مدخل العمارتها وهي بتبص وراها وبتشاور لي. وفي الليلة دي، عرفت إن أغلى وأحلى الصدف في حياتنا.. هي اللي بتبدأ بـ "غلطة".
حكايات شروق خالد
صدفة على العداد:
حكايات شروق خالد