قلوب الحجر بقلم شروق خالد

لمحة نيوز

في عشا خطوبة أختي، أمي كانت بتعرفني على أهل العريس وقالتلهم بكل برود: "دي بنتنا التانية.. شغالة بتنظف بيوت عشان لقمة عيشها." راح بابا مكمل على كلامها وقال: "إحنا خلاص شلنا إيدنا منها ومالناش دعوة بيها."
أنا طبعاً وقفت مكاني مذهولة، والجو كله بقى تقيل ومحرج. كملت أمي كلامها وكأنها بتقول نكتة: "أصلها اختارت تعيش حياتها بطريقتها، فقولنا خلاص هي حرة تشيل شيلتها."
بصراحة، الموقف ده قاسي جداً. الشغل مش عيب وأي حد بياكل لقمته بعرق جبينه يتشال فوق الراس، لكن الطريقة اللي اتكلموا بيها كان غرضها "كسرة النفس" والإحراج المتعمد قدام عيلة العريس، وكأنهم بيتبروا منك قدام الناس.
إيه اللي حصل بعد كدة؟ هل رديتي عليهم في وقتها ولا فضلتِ ساكتة

من كتر الصدمة؟

يا نهار أبيض على اللي حصل بعد كدة! الموضوع كبر والكل سكت فجأة، ونظرات أهل العريس كانت بين الصدمة والكسوف. كملت أمي وقالت بكل برود: "إحنا أصلاً قولنا للعريس وأهله إننا ملناش غير بنت واحدة، عشان كدة وجودها النهاردة مجرد واجب اجتماعي مش أكتر."
أنا حسيت إن الأرض بتلف بيا، والدموع جمدت في عيني من كتر الوجع. بصيت لأختي "العروسة" كنت مستنية منها كلمة، نص كلمة تدافع عني، لكنها فضلت باصة في طبقها وساكتة، كأنها خايفة الفرحة تطير لو نطقت.
روحت سحبت شنطتي بهدوء، وقبل ما أمشي، بصيت لأهل العريس وقولتلهم: "أنا فعلاً بنظف بيوت، ودي حاجة مش بتكسف منها لأني باكل بالحلال، بس للأسف البيوت اللي بنظفها أهاليها بيبقوا أنظف من كدة

بكتير."
خرجت وقفلت الباب ورايا وأنا سامعة صوت بابا بيزعق وبيقول: "أهي دي قلة الأدب اللي قولنالكم عليها!"، ومن ساعتها وأنا مش قادرة أستوعب إزاي ممكن حد يكسر ضناه بالطريقة دي قدام الغريب قبل القريب.
نزلت السلم وأنا مش شايفة قدامي، الدنيا كانت مضلمة في عيني رغم أنوار الشارع. مكنتش مصدقة إن دول هما هما الناس اللي كبرت في حضنهم. قعدت على أول رصيف قابلني وفضلت أعيط، مش عشان كلامهم عن شغلي، لأني فعلاً تعبت وشقيت عشان أبني نفسي من غير جميل حد، بس عشان فكرة إن "السند" هو اللي قرر يهد المعبد فوق راسي في أهم ليلة لأختي.
بعد ساعة، لقيت موبايلي بيرن، كانت أختي. رديت وأنا فاكرة إنها هتعتذر أو تطيب خاطري، لكنها قالتلي بمنتهى القسوة: "انتي
ليه عملتي كدة؟ بوظتي شكلي قدام الناس! كان لازم تردي؟ ما كنتِ سكتي وعديتي الليلة، إحنا ما صدقنا نلاقي حد يرضى ينسبنا بعد اللي عملتيه فينا وسيبانك للبيت!"
قفلت السكة في وشها وأنا حاسة بوجع في قلبي ميتوصفش. في اللحظة دي بس عرفت إن "التنظيف" اللي كنت بعمله طول السنين اللي فاتت في بيوت الناس، كان أهون بكتير من محاولة تنظيف قلوبهم السودا. قررت إني مش هرجع تاني، ولا هسمح لهم يكسروني مرة تانية. مسحت دموعي وقولت لنفسي: "اللي ياكل لقمته بكرامة، م يطمنش للي بيبيعوا دمهم عشان المنظرة الكدابة."
ومن يومها، قطعت كل الخيوط اللي بتربطني بيهم، وبدأت حياة جديدة فعلاً، بس المرة دي وأنا فخورة بجد بكل خطوة مشيتها لوحدي، بعيد عن سمّهم.


**وقلوب

الحجر** شروق خالد

تم نسخ الرابط