آخر عزومة على حسابي… كانت نهاية العيلة شروق خالد
كان بيت أمي في التجمع الخامس عامل زي قصور المسلسلات فخامة زيادة عن اللزوم، وكل حاجة فيها منظر.
كان يوم شم النسيم، و واحد من قرايبنا قاعدين حوالين سفرة كبيرة مليانة أكل ريش مشوية، فراخ محمرة، محشي، سمك مملح، وحاجات غالية تتجاب مخصوص عشان الشو.
على رأس السفرة كانت أمي، إلهام، لابسة طقم دهب تقيل وبتضحك الضحكة اللي فيها حسابات أكتر من مشاعر.
رفعت الكوباية وقالت بصوت عالي
ابني الكبير كريم عامل شغل جامد جدًا! المدير بتاعه بيقول له ما تمشيش، الشركة تقع من غيره!
كريم ابتسم وهو بيقلب العصير في إيده وقال تعب شوية يا ماما بس حد لازم يشيل المسؤولية.
ضحكات، نظرات إعجاب كله بيركّز معاه.
وأنا؟
قاعدة في آخر السفرة جنب باب المطبخ، بشرب مية عادية وهادية.
عندي 29 سنة، شغالة أكتر من 12 ساعة في اليوم، بدير شركتي الصغيرة في الأمن السيبراني
ولا حد سألني عاملة إيه؟
ولا حتى مرهقة؟
شروق خالد
بس الحقيقة اللي محدش منهم يعرفها
كل اللقمة اللي في بؤهم دي من فلوسي.
كل شهر، أول الشهر، بتحويل ثابت من حساب شركتي
حوالي 150 ألف جنيه مصري بيروحوا لحساب أمي عشان تدفع القسط بتاع البيت اللي
عزومة النهارده لوحدها كلفتني مبلغ محترم واتدفعت من كارت باسمي.
أنا اللي ماضية ضامن على عربية كريم.
وأنا اللي بدفع فواتير الموبايلات لكل العيلة.
أنا كنت العمود اللي شايل الوهم ده كله من غير ما حد يشوفني.
كنت فاكرة إن ده هيخلّي أمي تحبني أو على الأقل تقدرني.
كنت غلطانة.
بعد ما جابوا الحلويات
أمي خبطت بالكوباية في الطبق تك تك تك
الكل سكت.
ابتسمت وهي بتعدّد الناجحين في العيلة
وبعدين فجأة بصّت ناحيتي.
الجو اتغير.
وفي بقى قالتها بنبرة باردة، مريم.
الكل سكت أكتر.
قاعدة ساكتة طول الوقت لا بتتكلمي، ولا ليكي لازمة في القعدة ولا عندك طموح أصلاً.
ضحكت ضحكة خفيفة وقالت بصراحة يا مريم إنتِ أصلاً ما تستحقيش تقعدي على السفرة دي.
واحد كتم ضحكته
كريم ابتسم ابتسامة مستفزة
وباقي القعدة ضحكوا ضحك خفيف كده، بس وجع أكتر من الضرب.
كانوا بيضحكوا عليا
وهما بيأكلوا من فلوسي.
بس أنا؟
ما انهرتش.
ما اتكسفتش.
في لحظة كل إحساسي إني عايزة حب أمي اختفى.
كأن حاجة جوايا ماتت وطلع مكانها هدوء مخيف.
مسكت كوباية المية وابتسمت.
ابتسامة خلت كريم يتوتر.
بصيت لأمي في عينها وقلت
حلو قوي
وسكت لحظة
يبقى من النهارده ما تطلبيش مني فلوس.
الضحك وقف.
والصمت كان أتقل من أي كلمة.
الضحك وقف.
الصمت نزل على السفرة تقيل كأن حد قفل الهوا فجأة.
أمي، إلهام، رمشت كذا مرة كأنها بتحاول تفهم وبعدين ضحكت ضحكة مصطنعة وقالت إيه يا بنتي؟ بتهزري طبعًا
بصيت لها بهدوء، وأنا بحط الكوباية على الترابيزة أنا عمري ما كنت بهزر.
كريم اتنحنح وقال بنبرة فيها استفزاز يا مريم، كبرنا شوية مش وقت دراما.
لفيت ووشي ناحيته لأول مرة معاك حق عشان كده أنا مش هعمل دراما. أنا هعمل قرار.
مديت إيدي وطلعت موبايلي وفتحت التطبيق البنكي قدامهم.
التحويل الشهري اتلغى.
عيون أمي وسعت إنتِ اتجننتي؟! القسط هيتأخر!
دي مش مشكلتي من النهارده.
واحد من قرايبنا حاول يهدي الجو يا جماعة دي قعدة عيد خلونا نهدي
قاطعته بهدوء أنا هادية جدًا يمكن لأول مرة.
بصيت حواليا على كل الوجوه نفس الوجوه اللي كانت بتضحك عليا من دقايق.
العزومة دي آخر حاجة اتدفعت مني. الكارت اتقفل من 10 دقايق.
كريم قام واقف إنتِ بتلعبي بالنار!
ابتسمت لا أنا بس بطفيها.
سيبتهم ومشيت.
ولا حد جري ورايا.
ولا حد ناداني.
بس أول مرة
تاني يوم الصبح
موبايلي ما سكتش.
20 مكالمة من أمي.
15 من كريم.
رسائل من قرايبنا
إيه اللي عملتيه ده؟
أمك تعبانة
حرام عليكي
فتحت رسالة واحدة بس من أمي
إنتِ كسرتي البيت.
ضحكت ضحكة خفيفة، بس مليانة مرارة.
وكتبت رد واحد
البيت كان مكسور من زمان أنا بس بطلت أصلّحه لوحدي.
عدّى أسبوع.
عرفت إن القسط ما اتدفعش.
وإن العربية اتسحبت من كريم.
وإن أمي بقت بتكلم قرايبنا تدور على حد يساعد.
نفس القرايب اللي كانوا بيضحكوا.
بس المرة دي محدش ضحك.
وبعد شهر
رنّ جرس باب شقتي الصغيرة.
فتحت
لقيت أمي واقفة.
من غير دهب.
من غير كبرياء.
وشها مرهق وعينيها لأول مرة فيها حاجة شبه الندم.
سكتنا لحظة.
وقالت بصوت مكسور مريم
قلبي دق بس أنا ما ضعفتش.
خير؟
نزلت عينيها وقالت كنت غلطانة.
أول مرة في حياتي أسمعها.
كنت شايفة ناس غلط وبقلل منك وإنتِ الوحيدة اللي كانت شايلة كل حاجة.
سكتت وبعدين قالت أنا مش جاية عشان الفلوس أنا جاية عشانك.
بصيت لها طويل
سؤال واحد كان جوه دماغي هل ده ندم حقيقي ولا احتياج؟
فتحت الباب أوسع شوية
لكن ما حضنتهاش.
وقلت بهدوء
الدخول سهل يا ماما
بس الرجوع لمكاني في حياتي
وقفت تستنى
وأنا لأول مرة
كنت أنا اللي أقرر.
آخر عزومة على حسابي كانت نهاية العيلة شروق خالد