فستان من ريحة الغالي حكايات شروق خالد
أنا خيطت فستان الفرح بتاعي من بدلة بابا الميري عشان أكرم ذكراه.. مرات أبويا فضلت تتريق عليا وتتمسخر، لحد ما في لحظة الباب خبط ولقينا ظابط واقف قدامنا، سلمها جواب أول ما قرأته وشها جاب ألوان وإيدها اترعشت.
أمي توفت وهي بتولدني، ومن وقتها مكنش ليا في الدنيا غير بابا.. هو كان سندي وضهري.
بعد فترة، بابا اتجوز واحدة اسمها كريمة، وكان عندها بنتين من جوازة قديمة. كريمة دي كانت بتمثل الحنية والطيبة طول ما بابا موجود، لكن أول ما يرجع خدمته في الجيش، كانت بتتحول وبتبقى باردة وقاسية معايا.
بس مكنش يهمني، كان كفاية عليا إن بابا موجود في حياتي.
من ٦ سنين، بابا استشهد وهو بيأدي واجبه.. قلبي اتكسر وقتها بجد.
من بعده، كريمة وبناتها قلعوا القناع اللي كانوا لابسينه، وفجأة بقيت أنا الخدامة بتاعتهم؛ أطبخ وأنظف وأشيل قرفهم. كانت كريمة دايماً تمنّ عليا وتقولي احمدي ربنا إني لسه مخليّاكي في البيت وموديتكيش ملجأ.
مبقتش عارفة أعمل إيه، فقررت أصبر لحد ما أخلص مدرسة وأدخل الجامعة وأمشي من البيت ده.
بابا كان حلمه يشوفني في حفلة التخرج وبفستان الفرح، وكنت عارفة ده كويس. قبل الحفلة بكام شهر، طلعت بدلة الجيش بتاعته اللي كنت شايلاها في دولابي، وقررت أفكها وأفصل منها فستان ألبسه في الحفلة تكريماً ليه.
قعدت شهر كامل بخيط فيه في السر جوه أوضتي.
يوم الحفلة،
واحدة من بناتها كملت تريقة وقالت إيه، شغلانة الجرسونة اللي بتشتغليها بعد المدرسة مكفتش تجيبي فستان عدل؟
والتانية ضحكت وقالت ده شبه الخرقة، بس لايق عليكي بصراحة.
دموعي نزلت غصب عني.. وفي اللحظة دي، الباب خبط خبطة قوية.
كريمة فتحت، لقت ظابط برتبة كبيرة واقف على الباب. قال لها إنه جاي يسلمها حاجة من بابا، ودي كانت وصيته الأخيرة إنها تتوصل في اليوم ده بالذات.
الظابط سلمها جواب.. فتحته وبدأت تقرأ، ومن أول سطر إيدها بدأت تترعش، والضحك اللي كان مالي البيت سكت تماماً وشهم بقى زي الأموات...
حكايات شروق خالد
كريمة كانت بتقرأ والورقة بتترعش في إيدها، وبناتها واقفين وراها مش فاهمين في إيه، لحد ما فجأة رجلها مشالتهاش وقعدت على أقرب كرسي وهي مذهولة.
الظابط بصلي بنظرة فخر وابتسم، وبعدين بص لكريمة وقال بصوت جهوري الشهيد البطل كان سايب وصية وأمانة في عهدة القوات المسلحة، وما تفتحش إلا في يوم تخرج بنته.. والنهاردة المعاد.
كريمة بصتلي بعيون مليانة رعب، والظابط كمل كلامه الجواب ده فيه إقرار وتنازل رسمي.. البطل كان مسجل البيت ده وكل أملاكه باسم بنته نور من سنين، وكان سايب شرط إنك تعيشي فيه ك ضيفة طول
بناتها وشهم بقى أصفر، والضحك اللي كان من شوية اتحول لكابوس. بس الصدمة الأكبر كانت في السطر الأخير من الجواب اللي كريمة قرأته بصوت واطي ومكسور
يا كريمة، أنا كنت عارف إنك بوشين، وكنت عارف إنك مش هتحني على بنتي في غيابي.. البيت ده حق بنتي وتمن شقايا، ولو قرأتِ الجواب ده، يبقى بنتي دلوقتي لابسة بدلة شرفي وبقت عروسة، وإنتي دلوقتي مالكيش مكان في بيتها.. اطلعي بره أنتي وبناتك فوراً.
الظابط بصلي وقال يا فندم، إحنا مستنيين أمرك.. لو حابة يخلوا البيت دلوقتي، القوة موجودة بره.
بصيت لكريمة وبناتها، اللي كانوا بيذلوني ويهينوا لبسي وذكرى بابا، وشفت في عيونهم الذل اللي شفته السنين اللي فاتت كلها. مسحت دموعي، ورفعت راسي وأنا حاسة بروح بابا حواليا، وقلت بكل قوة
الهدوم اللي وصفتوها بالخرق، هي اللي هتطردكم من هنا.. قدامكم ساعة واحدة تلموا فيها لبسكم، ومش عايزة أشوف وشكم في بيت بابا تاني.
كريمة حاولت تعيط وتتمسكن، بس الظابط وقف قدامها ومنعها تقرب مني. في ليلتها، رحت الحفلة وأنا فخورة بفستاني، مش بس عشان شكله، لكن عشان كان فيه ريحة بابا، والعدل اللي رجعلي حقي بعد سنين من الظلم.
بعد ما طلعتهم
بره البيت،
الظابط بصلّي باحترام وقالّي يا آنسة، والدك مكنش مجرد عسكري، ده كان بطل، والجيش مبيسيبش حق ولاده.. لو احتجتي أي حاجة إحنا موجودين. شكرته بابتسامة مهزوزة، ونزلت ركبت العربية اللي كانت مستنياني عشان توديني الحفلة.
أول ما دخلت قاعة التخرج بالفستان، الأنظار كلها اتجهت ليا. في الأول سمعت همسات، لكن فجأة الهمسات دي اتحولت لتصفيق حاد. الناس مكنتش شايفة فستان قديم، كانوا شايفين قصة وفاء.
مدير المدرسة طلع على المسرح وقال بصوت عالي النهاردة معانا طالبة متميزة، مش بس في دراستها، لكن في أصلها.. هي لابسة أغلى فستان في القاعة، فستان مصنوع من العزة والشرف.
قضيت الليلة وأنا حاسة بقمة السعادة، مش عشان البيت ولا عشان الفلوس، لكن عشان عرفت إن بابا كان حاسس بيا طول الوقت.
بعد الحفلة، قررت إني مش هبيع البيت ولا هسكن فيه لوحدي. حولت جزء منه لجمعية خيرية صغيرة لرعاية أيتام الشهداء، عشان أرد الجميل للبلد ولأبويا اللي علمني إن الحق عمره ما بيضيع، وإن بدلة الجيش مش مجرد قماش، دي عرض وشرف وأمان، وبسببها قدرت أرفع راسي وأبدأ حياتي من جديد.
النهاية.
فستان
حكايات شروق خالد