دقات قلب خلف القضبان حكايات شروق خالد
أنا ممرضة طوارئ متقاعدة، عندي 63 سنة. قضيت عمري وسط الدم وصويت الإسعاف، وقررت أقضي اللي فاضل من عمري في هدوء في بيتي البعيد عن زحمة القاهرة.
الساعة كانت 4 الفجر، كنت واقفة في المطبخ بعجن عيش، وفجأة سمعت خبطة تقيلة على باب المطبخ اللي ورا، وبعدها صوت نهجة مكتومة ونفس مقطوع.
أول ما فتحت الباب، قلبي وقف. بنتي "مايا" كانت واقعة على الأرض بوشها، والجو كان برد وتلج. وشها الجميل كان عبارة عن خريطة من الضرب والدم؛ شفتها مقطوعة، وعين من عينيها مقفولة تماماً من الورم. كانت متبتة بإيد في ضلوعها، والإيد تانية حطاها بحذر ورعب على بطنها من تحت.
خبرتي في التمريض خلتني متوترش. سحبتها لجوه المطبخ تحت النور القوي، وهناك شفت آثار صوابع زرقاء معلمة على رقبتها البيضاء.. حد كان بيخنقها بغل.
سألتها بهدوء وأنا بحاول أتحكم في أعصابي: "مايا.. مين اللي عمل فيكي كده؟"
قالت لي بصوت مكسور ومنبوح: "دي كاميليا.." كاميليا دي تبقى أخت "مراد" جوزها. ست من عيلة "المنشاوي"، عيلة مليارديرات، طول عمرها بتتعامل مع بنتي على إنها "بيئة" وطمعانة في ثروتهم.
مايا حطت إيدها وهي بترتعش على بطنها وقالت: "أنا حامل في الشهر التاني يا ماما.. قلت لها الخبر وكنت فاكرة إن البيبي هيفرحهم، كنت فاكرة
دموعها نزلت واختلطت بالدم الناشف على وشها.
"اتجننت.. فضلت تصرخ وتقول إني عايزة ألبسهم في عيل عشان أورثهم. وبعدين زقتني من على السلم، ولما وقعت تحت، فضلت تضربني برجليها في بطني.. وقالت لي إن ابني ده ملوش مكان في عيلة المنشاوي."
إن حد يمد إيده على ست حامل، وبنية إنه يموت اللي في بطنها، ده فعل ميعملوش غير شيطان.
سألتها بصوت واطي ومرعب: "ومراد؟ مراد كان فين وأخته بتحدفك من على السلم وتضربك في بطنك؟"
مايا غطت وشها بإيديها وهي بتعيط بحرقة: "كان واقف فوق يا ماما.. كان بيتفرج. قال لي بلاش فضايح وبطلي صويت عشان مكسفهوش قدام الناس، وقال لي إني ببالغ ومحصلش حاجة لكل ده."
السكوت اللي ساد المطبخ كان مرعب، مكنش مسموع فيه غير تكتكة الساعة اللي زي دقات قلب بتعد التنازلي.
في اللحظة دي، الست العجوز المتقاعدة اللي كانت بتخبز عيش ماتت، وظهرت واحدة تانية خالص.
لفيت بنتي ببطانية، وقفت الباب بالترباس. مكلمتش 122، لأني عارفة إن عيلة المنشاوي شاريين الكل في منطقتهم، والبلاغ هيتحفظ وهتقيد "وقوع من على السلم".
بدل كدة، طلبت رقم أخويا الكبير "عاصم".. محامي حيتان، متخصص في تدمير الشركات والإمبراطوريات اللي فاكرة نفسها فوق القانون.
عاصم رد وصوته
قلت له ببرود يجمّد المية: "عاصم.. جه الوقت. اعمل اللي بابا علمهولنا."
حكايات شروق خالد
عاصم سكت لثواني، وكأنه كان مستني المكالمة دي من سنين. صوت نفسه اتغير، والحدة ظهرت في كلامه: "مين فيهم اللي لمسها يا إيفا؟"
قلتله وأنا عيني على مايا اللي كانت بتترعش في حضني: "الكل يا عاصم. اللي ضرب، واللي اتفرج، واللي سكت. عيلة المنشاوي افتكروا إننا ملناش ضهر عشان اخترنا نعيش في هدوء. افتكروا إن بنتي يتيمة وهي خالتها ممرضة طوارئ وعمها 'عاصم الجارحي'."
عاصم رد بصوت زي الفحيح: "خمس دقائق، وملفاتهم كلها هتكون قدامي. المنشاوي عندهم ثغرات في ضرايب المصانع، وقضايا استيلاء على أراضي الدولة كانت متدارية بالفلوس. النهاردة هعرفهم إن الله حق، والبيبي اللي قالوا ملوش مكان في عيلتهم، هياخد عيلتهم كلها ويحطها ورا القضبان."
قفل السكة، وأنا قمت جهزت شنطة الإسعافات بتاعتي. نظفت جروح مايا بمهارة السنين، ركبتلها محاليل، وعملتلها سونار منزلي كنت شايلاه للطوارئ. أول ما سمعت دقات قلب الجنين، بكيت لأول مرة.. دقات سريعة وقوية، كأنه بيقول للي ضربوه "أنا لسه موجود".
**بعد ٤٨ ساعة**
الدنيا قامت ومقعدتش. الفجر، قوات الأمن والرقابة الإدارية
عاصم مسبش ثغرة. جاب تسجيلات الكاميرات اللي مراد افتكر إنه مسحها، وجاب شهادة الخدامين اللي كاميليا كانت بتذلهم.
مراد بعت لي رسالة من الحجز مع المحامي بتاعه، بيترجاني أتنازل عشان خاطر "الحب" اللي كان بيننا. رديت عليه بورقة واحدة: "الطلاق، والتنازل عن كل أملاكك لبنك باسم ابنك اللي ملوش مكان في عيلتك.. يا إما هخليك تعجز جوه السجن."
مايا دلوقتي قاعدة جنبي في الجنينة، وشها بدأ يخف، وبدأت تاكل وتشرب وهي مطمنة. عيلة المنشاوي مبقاش ليها وجود في السوق، والمحلات بتاعتهم قفلت، والسمعة اللي كانوا بيشتروها بالفلوس بقت في الطين.
بصيت لمايا وقلتلها: "يا بنتي، أنا علمتك تكوني رقيقة، بس نسيت أعلمك إن الرقة دي لازم يكون ليها درع يحميها."
مايا ابتسمت وهي بتحط إيدها على بطنها وقالت: "الدرع موجود يا ماما.. واسمه عيلة الجارحي."
في اللحظة دي عرفت إن بابا الله يرحمه كان عنده حق لما قال: "إحنا منبدأش الحرب، بس لو اتفرضت علينا.. إحنا اللي بننهيها."
**تمت.**
دقات قلب
حكايات شروق خالد