توامي الجزء الاول حكايات شروق خالد
"يا طنط.. ينفع أدفع بكره؟"
بصيت تحت ولقيت طفلة صغيرة، متبتة في إزازة لبن ومحضناها لـ صدرها. ميكملش عمرها تمن سنين، وعنيها كانت بتلمع بالدموع وكأنها بقالها ساعات بتحارب عشان مانعيطش.
همست وهي مخنوقة: "أخويا التوأم تعبان وعنده سخونية.. والبيت مفيش فيه لقمة. أمي هتقبض بكره، والله هجيلك بكره الصبح وأدفع لك كل المليم".
تنهدت براحة وقلت لها بالراحة: "أنا مصدقاكي يا حبيبتي، بس المحل ليه نظام وقوانين".
وشها اتخطف في ثانية والدمعة كانت هتنزل من عنيها. الزباين اللي واقفين في الطابور وراها بدأوا يتأففوا ويزهقوا من التعطيل، ما عدا راجل واحد بس كان واقف في آخر الطابور، ساكت تمامًا ومركز معانا بنظرات غريبة ومريبة ومفصلش عينه عنها.
في الآخر، مأهونتش عليا البنت، وطلعت الفلوس من جيبي ودفعت ثمن اللبن، وجبت لها كمان عيش وشوربة وشوية طلبات خفيفة للبيت.
همست لي وهي بتقول: "شكراً يا طنط".. وأخدت الشنطة
وبعدها اختفت في وسط ضلمة الشارع.
كنت فاكرة إن الحكاية خلصت لحد هنا.. بس طلعت غلطانة خالص.
تاني يوم الصبح، صحيت مفزوعة على صوت رزع وتخبيط عالي وقوي على باب بيتي.
فتحت الباب وقلبي كان هيقف من الصدمة.
لقيت الراجل نفسه اللي كان واقف في آخر الطابور بتاع المحل إمبارح! وشّه كان مخطوف وأصفر زي الليمونة، وعنيه باين عليها التعب والسهد، وراه كان واقف اتنين رجالة أمن بشكل يخوف.
قال لي وصوته مرعوب: "لازم تيجي معانا.. حالا ومن غير كلام".
جسمي سقع في مكاني وقلت له: "هو فيه حاجة حصلت للبنت الصغيرة؟"
أخد نفس عميق، وإيده كانت بتترعش وهو بيمدها في جيب جاكتته، وطلع صورة قديمة ومبهدلة من الزمن.
بصيت للصورة..
وفي اللحظة اللي عيني جت فيها على الوش اللي في الصورة.. كل الذكريات اللي دفنتها وهرت منها من سنين طويلة رجعت هجمت على عقلي وقلبي في ثانية واحدة...
#حكايات_شروق_خالد
الصورة
بصيت للراجل وأنا هجنن، وصوتي طلع بالعافية: "أنت جبت الصورة دي منين؟ ومين البنت دي بالظبط؟"
الراجل أخد نفس طويل وقال لي: "أنا اسمي محمود، شغال أخصائي اجتماعي. البنت اللي جاتلك إمبارح دي تبقى بنت أختك نور! نور عايشة في منطقة قريبة من هنا، بس للأسف تعبانة جدًا وفي أيامها الأخيرة، والبنت وأخوها التوأم عايشين في ظروف يصعب على الكافر. لما شفت البنت إمبارح وشفت طيبتك معاها، ولمحت الشبه الرهيب اللي بينك وبينها، شكيت.. ولما سألت وعرفت مكانك، جيتلك فورًا".
مفكرتش ولا ثانية، نزلت معاه زي المجنونة، وركبنا العربية لحد ما وصلنا لبيت قديم ومتهالك.
أول ما دخلنا الأوضة، لقيت البنت الصغيرة قاعدة جنب أخوها التوأم اللي كان دبلان من السخونية، وعلى السرير
نور بصت لي والدموع نزلت من عنيها، وقالت بصوت ضعيف ورايح: "كنت عارفة إن ربنا مش هيسيب عيالي.. كنت حاسة إنك قريبة يا مروة".
جريت عليها وحضنتها وأنا بعيط من قهر السنين اللي ضاعت، وعرفت منها إنها بعد ما اتخطفت عاشت حياة صعبة، ولما كبرت واتجوزت جوزها مات وسابها لوحدها بتصارع المرض والفقر، ومكنش عندها أمل غير إنها تلاقينا عشان تأمن عيالها.
نور اتنقلت المستشفى فوراً وعالجنا ابنها، ورغم إن حالتها كانت متأخرة، بس قضينا مع بعض أحلى أسابيع عوضتنا عن سنين الفراق، وقبل ما تروح للي خلقها، كانت مطمنة وهي شايفاني حاضنة عيالها.
الطفلة الصغيرة اللي دخلت المحل تطلب إزازة لبن، مكنتش بتطلب من غريبة.. كانت بتطلب من خالتها، واللقمة اللي دفعت تمنها، كانت السبب في إني ألاقي حتة من روحي بعد سنين من العذاب.
توامي