كبار المقام ج2 حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

بعد ما طارق خرج، الباب خبط تاني ودخل المستشار محمود، المحامي الخاص بالجهاز، وحط قدامي تقرير جديد. بص لي وقال: "يا فندم، زينات هانم برة في الاستقبال، وجايبة معاها ناس من كبار العيلة عشان يترجوا معاليكي، والست منهارة تماماً وبتقول إنها مكانتش تعرف ومستعدة تبوس على إيدك قدام الناس كلها عشان تسامحيها وما تأذيش ابنها في شغله."
ضحكت ضحكة خفيفة فيها كمية وجع على السنين اللي راحت، وبصيت للمستشار وقلت له: "قول لزينات هانم إن المقامات والرتب اللي كانت بتدور عليها، هي اللي واقفا بيني وبينها دلوقتي. اللواء رشا المنشاوي مابتقابلش أشكالها، والبيوت اللي بتتبني على كسر الخواطر والمنظرة الكدابة بتتهد بالقانون. طردهم برة المبنى فورا يا محمود."
أول ما محمود خرج، قفلت ملف طارق وأمه نهائياً، وشيلته في الأرشيف وكأني بقفل صفحة سواد من حياتي. فتحت درج المكتب وطلعت منه صورة قديمة ليا وأنا في

الميدان في سوريا، وسط الرمل والضرب، كنت باصة للصورة وابتسمت... افتكرت إني عديت من الموت والطلقات، فمش حتة عوزة ناقصة ولا جوز إمعة هما اللي هيكسروني.
مرت الأيام، وطارق اتنقل لخدمة في منطقة نائية على الحدود جزاءً لإخلاله بالحق العسكري وتجاوزاته اللي اتكشفت، وأمه زينات اتقوقعت في بيتها ومش قادرة ترفع عينها في عين حد من الجيران بعد ما سيرتهم بقت على كل لسان في الدار والمنطقة.
أما أنا، فكنت واقفة بعد شهر في حفلة تكريم ضخمة بمناسبة عملية سيادية جديدة أشرفت عليها بنفسي. القاعة المرة دي كانت مليانة قادة بجد، ناس تعرف يعني إيه تضحية ويعني إيه رتبة شرف.
لما طلعت على المنصة عشان أستلم وسام الامتياز من الطبقة الأولى، القاعة كلها وقفت صقف بجد، والمرة دي مكنش فيه ترابيزة رقم 9، ولا كراسي بتتشال، ولا نظرات شماتة... كان فيه بس "رشا المنشاوي" الست اللي حمت بلدها، والظروف علمتها إن اللي
يسترخصك ويحاول يطفيك، ارميه ورا ضهرك ونور أنت بأصلك ومقامك.

حكايات شروق خالد

نزلت من على المنصة والوسام بيلمع على صدري، وكل قادة المجلس العسكري بيسلموا عليا ويباركوا لي بمنتهى الفخر. في اللحظة دي، وأنا شدا ضهري وببص لعيون الناس اللي بتحترمني بجد، حسيت إن الوجع اللي عشته السنين اللي فاتت داب تماماً، وبقى مجرد قشرة ووقعت.
بعد الحفلة، رجعت على بيتي الجديد—شقة شيك وهادية بتطل على النيل، مكانش فيها أي أثر لطارق ولا لأيامه. قعدت على الكنبة، قلعت كاب البدلة الميري، ومسكت تليفوني.
لقيت رسالة مبعوتة لي من رقم غريب، فتحتها ولقيتها من طارق. كاتب فيها: *"رشا، أنا بكتب لك وأنا في استراحتي على الحدود وسط الرمل. الدنيا هنا ضلمة وقاسية قوي، بس مش أقسى من ضلمة حياتي من غيرك. أنا خسرت كل حاجة؛ برستيچي، ومكاني في القاهرة، ونظرة الاحترام في عيون زمايلي. أمي قاعدة في البيت عيانة ومبتنطقش

من الصدمة والكسوف. أنا مش طالب ترجعي لي، أنا بس بندم على كل ثانية ضيعتها وأنا مش شايف إنك كنتِ النور الوحيد اللي في حياتي. سامحيني."*
قريت الرسالة ببرود تام. مفيش أي مشاعر اتحركت جوايا، ولا حتى شماتة. مسحت الرسالة وعملت للرقم "بلوك". طارق مكنش ندمان عليا كـ رشا البنت اللي حبها، هو كان ندمان على "اللواء رشا" والظهر والسند والمقام اللي خسره بغبائه.
قفلت التليفون ووقفت في البلكونة، الهوا الساقع بتاع النيل رد فيا الروح. بصيت لأضواء القاهرة وهي منورة ومالية الدنيا، وحسيت براحة وسكينة بقالي سنين مشفتهاش.
الست اللي شافت الموت في الميدان وشالت سلاح عشان تحمي بلد، مكانش ينفع تضيع وقتها مع ناس قلوبها مليانة غل ومنظرة كدابة. أنا رجعت لمكاني الطبيعي، رجعت للقمة اللي تليق بيا، والصفحة القديمة اتقفلت واتحرقت، والرحلة الجاية مفيهاش مكان غير للي يعرف قيمتي ويقدر مقامي.

**كبار المقام**
حكايات

شروق خالد

تم نسخ الرابط