​حفلة الوداع شروق خالد

لمحة نيوز

في حفلة تخرج بنتنا "سارة" في واحد من أكبر فنادق القاهرة، جوزي وقف في نص الصالة، والسكرتيرة بتاعته "هنا" واقفة جنبه بضحكة صفرا، وقال قدام كل عائلات الطلبة: "أنا لقيت اللي ترجعلي شبابي"، وكان مستني إني أنهار وأتكسر قدام الناس.. بس أنا سيبت كاس المشروب من إيدي ببرود، وسويت فستاني الكحلي، وقولتله وأنا ببتسم: "ولا يهمك يا هشام.. أنا كمان لقيت حد أصغر منك بكتير"، وفي اللحظة دي، فيه راجل في آخر القاعة قام وقف بهيبة.
هشام اختار أكتر يوم كان فاكر إني هسكت فيه عشان "المنظر".
بنتنا لسه مخلصة كلمتها كأولى الدفعة، والناس وشها منور بالفخر، وصوت الضحك والمباركات مالي المكان، والأمهات بتمسح دموع الفرحة.. وفي وسط كل ده، جوز عمري اللي كملنا ٢٦ سنة مع بعض، قرر يسرق فرحة بنته ويحول الليلة لمسرحية سخيفة.
"أنا لقيت واحدة أصغر بكتير،" هشام قالها بصوت عالي سمعه كل اللي قاعدين، "واحدة خلتني أحس إني لسه عايش."
"هنا" السكرتيرة

كانت واقفة جنبه بضحكة باين أوي إنها متدربة عليها قدام المراية.
القاعة فجأة قطعت النفس.
كل العيون لفتت ناحيتي، مستنيين الوجيعة تبان عليا.. مستنيين دموعي تنزل، أو أطأطأ راسي زي الزوجة المكسورة اللي هشام عوّد الناس يشوفوها.
بس أنا منزلتش دمعة واحدة.
بصيت للكاس اللي في إيدي، وحطيته على المفرش الأبيض بمنتهى الهدوء، لدرجة إن سارة بنتي لاحظت الثبات ده.
وقولت بصوت واثق: "والله يا هشام، أنت جيت في وقتك بالظبط."
الابتسامة اللي على وشه اتهزت.
"أنا كمان عندي إعلان مهم."
سمعت صوت شهقات مكتومة في القاعة، وشوكة وقعت من إيد حد على الطبق. وفي آخر الصالة، فيه راجل قاعد على تربيزة "كبار الزوار" بطل يتحرك تماماً.
هشام ضحك ضحكة قصيرة وسخيفة: "بلاش تحرجي نفسك يا جيجي."
ده كان سلاحه المفضل دايماً.. مش الزعل ولا الخيانة، كان "الاستهزاء".
سنين وهو بيعاملني كأني ست "راحت عليها"، كان بيتريق على شغلي في دار النشر، ويقول على ترقيتي
إنها "حاجة لطيفة تسلي وقتي". كان بيرجع وش الفجر بريحة برفانات حريمي ويديني حجج تافهة كأني عيلة صغيرة مش فاهمة حاجة.
في عزايم الشغل كان بيقدمي كأني "إكسسوار" مكمل لطقم البدلة، وفي البيت كان بيكلمني كأني "واجب" تقيل عليه.
وفضلت وقت طويل فاكرة إن الصبر هو هو الحب.
لحد ما "سارة" جت لي في المطبخ مرة وقالت لي: "يا ماما، مش لازم تصغري نفسك عشان بابا يحس إنه كبير."
الجملة دي غيرتني.
زي ما دروس اللغة اللي بدأت أخدها غيرتني.
وزي ما الراجل اللي كان بيسمعني بجد لما أتكلم.. غيرني.
الراجل اللي مضحكش أبداً على أفكاري، الراجل اللي شافه وهو بيقلل مني قدام الناس مرة، وبص لي وقتها بنظرة عرفتني إنه شايف فيا اللي هشام بقاله سنين بيحاول يمسحه.
دلوقتي هشام واقف قدام كل أهالي الدفعة، فاكر إنه كسب الجولة الأخيرة.
زعق فيا لما لقى برودي ده قلقه: "أنتِ عندك ٥١ سنة! مين اللي ممكن يبص لواحدة في سنك؟"
سارة بنتي قربت مني وأخدتني في حضنها
وسندتني.
الحركة دي كانت هتخليني أعيط، بس مش ضعف.. ده كان فخر.
قالت له بصوت واطي: "يا بابا، ماما تستاهل أحسن بكتير من الطريقة اللي كنت بتعاملها بيها."
وش هشام جاب ألوان.. وبدأ يفهم إن الليلة مش ماشية زي ما خطط.
أخدت خطوة لقدام وقولتله:
"أنا كمان هسيبك يا هشام.. عشان حد أصغر منك.. أصغر بكتير كمان."
ضحكة "هنا" السكرتيرة اختفت.
والهمس بين الناس وقف.
هشام صك على سنانه: "متبقيش هبلة."
ابتسمت وقتها.. مش ابتسامة طيبة، ولا انكسار. كانت ابتسامة ست الباب اتفتح لها خلاص، والورق اتمضى، والراجل اللي كان فاكر إنه مسيطر على القعدة بقى هو آخر واحد يعرف الحقيقة.
وقولتله: "اسمه.. مازن السيوفي."
وفي اللحظة دي، الراجل اللي هشام عمره ما تخيل إني أعرفه أصلاً، قام من مكانه وعدل جاكت بدلتة بكل هيبة.. وتمشى ناحيتنا.
"مازن السيوفي"؟
الاسم نزل على هشام زي الصاعقة. مازن مش بس راجل أصغر منه، ده كان "الحوت" اللي هشام بقاله سنتين بيحاول
يمضي معاه عقد واحد ويقابل صد ورفض.

تم نسخ الرابط