​حفلة الوداع شروق خالد

لمحة نيوز

مازن مشي في وسط القاعة بهدوء، والناس بتوسع له كأن ملك داخل. وقف جنبي، وبص لهشام نظرة خلت هشام يبان قزم في بدلة غالية. حط إيده على ضهري وقال بصوت هادي وواثق: "يا ريت يا هشام تلم اللي باقي من كرامتك وتخرج، عشان الليلة دي ليلة سارة وماما، وأنت بقيت زيادة عن اللزوم هنا."
هشام كان بيبلع ريقه بصعوبة، بص للسكرتيرة بتاعته اللي كانت بتبص للأرض من الكسفة، وبص لمازن وقال بصوت مرعوش: "أنت.. أنت عارف هي عندها كام سنة؟ أنت بتبوظ شغلك معاي عشان دي؟"
مازن ضحك ضحكة خفيفة وقرب من ودنه وقاله: "أنا مابشتغلش مع ناس مابتحترمش بيوتها.. والشركة اللي أنت كنت بتحلم تشاركني فيها؟ مبروك، 'جيجي' هي اللي هتمضي عقد الشراكة معايا بكره الصبح، بصفتها مديرة دار النشر الجديدة اللي أنا مولتها."
سارة بنتي بصت لباباها وقالت له بوجع: "يا ريت تخرج يا بابا.. كفاية فضايح."
هشام خرج وهو بيجر
رجليه، والسكرتيرة مشيت وراه وهي بتداري وشها بشعرها. القاعة كلها رجعت تتنفس تاني، بس المرة دي بصوت تصفيق حاد لـ "جيجي" الست اللي قامت من وسط الرماد.
مازن بص لي ووشوشني: "كنتِ زي القمر وأنتِ بتديلوا الدرس ده."
ضحكت من قلبي لأول مرة من سنين، وبصيت لسارة وقولت لها: "يالا يا دكتورة، ليلتك لسه مخلصتش."
الليلة دي مكنتش مجرد تخرج لبنتي.. دي كانت شهادة ميلاد جديدة ليا أنا. سيبت هشام لـ "هنا" ولشبابه اللي كان بيدور عليه، وخدت أنا المستقبل اللي كان مستنيني وأنا رافعة راسي.

يوم اجتماع الشغل كان يوم مختلف تماماً عن أي يوم عشته في الـ ٢٦ سنة اللي فاتوا.
دخلت المكتب الجديد في "نايل سيتي"، المكتب اللي مازن صمم إنه يكون باسمي ومكتوب على بابه "جيجي للاستشارات والنشر". كنت لابسة بدلة رسمية شيك جداً، وحاسة بوقار مكنتش بعرفه وأنا جنب هشام.
مازن كان قاعد مستنيني، وأول

ما شافني قام وقف وابتسامته وسعت: "أهلاً بالمديرة اللي نورت السوق كله في أسبوع."
قعدنا وبدأنا نتكلم في الشغل، وفي وسط الكلام، مازن سكت شوية وبص لي بتركيز وقالي: "عارفة يا جيجي، هشام كلمني الصبح.. كان بيترجاني أسحب القضايا اللي رفعتها عليه بخصوص تزوير توقيعك على عقود قديمة."
شربت القهوة بتاعتي ببرود وقولتله: "وأنت قولتله إيه؟"
مازن ضحك: "قولتله إن القرار في إيد صاحبة الشأن.. بس قولتله كمان إن اللي يفرط في جوهرة زي جيجي، ملوش عندي غير الحساب."
في اللحظة دي، السكرتيرة دخلت وقالت إن فيه "واحد" برا عايز يقابلني ضروري ومنهار. عرفت إنه هشام. مازن بص لي وسألني: "تحبي أخليه يدخل ولا يترمي برا؟"
قولتله: "خليه يدخل.. عشان يشوف الفرق."
دخل هشام، وشكله كان كأنه كبر ١٠ سنين في كام يوم. البدلة كانت واسعة عليه وشعره منكوش. أول ما شاف مازن قاعد جنبي وإيدينا قريبة من
بعض على الورق، وشه جاب ألوان.
هشام بدأ يتكلم بصوت مهزوز: "جيجي.. أنا آسف. 'هنا' سابتني أول ما عرفت إن البنك حجز على الحسابات. أنا ضعت يا جيجي.. بلاش تخربي بيتي."
قمت وقفت ببرود وبصيت له من فوق لتحت: "أنا مابخربش بيتك يا هشام.. أنت خربته بإيدك يوم ما قررت تهين كرامتي قدام الناس. أنا بس بسترد حقي اللي سرقته مني سنين."
بصيت لمازن وقولتله: "كمل إجراءاتك يا مازن.. الراجل ده ملوش مكان هنا."
هشام خرج وهو بيبكي، وأنا قعدت مكاني وحسيت براحة مش طبيعية. مازن قرب مني ومسك إيدي وقال: "دلوقتي بس نقدر نمضي عقد البداية الجديدة.. مش بس في الشغل، وفي حياتنا كمان."
ابتسمت وقولتله: "أنا جاهزة."
ومن اليوم ده، حياتي اتغيرت ١٨٠ درجة. سارة بنتي بقت فخورة بيا، ومازن بقى هو السند اللي بجد، وعرفت إن العمر مجرد رقم، وإن الست لما بتقرر تقوم.. مفيش حاجة في الدنيا تقدر توقفها.
**تمت.
**
​حفلة الوداع
شروق خالد

تم نسخ الرابط