رهان العمر" شروق خالد
المحتويات
اللي بيحصل من غير ما حد يحس بيه.. كان محمود.
ياسين شافه، وبص لي كأنه بيستأذن بكلمة من عينيه. هزيت راسي بالموافقة، أنا مش ملاك، بس أنا أم والغل ملوش مكان في قلب شبعان بنجاح ابنه.
ياسين راح له وسط ذهول الناس، ومسك إيده وجابه لحد عندي. محمود كان باصص للأرض، مش قادر يرفع عينه في عيني. ياسين قاله يا أستاذ محمود، النهاردة يوم فرحتنا، وأنا مش ناسي إنك كنت سبب في وجودي.. اتفضل معانا.
محمود بص لي وقال بصوت مرعوش أنا مكنتش أستاهلكم يا كريمة.. أنا ضيعت الجوهرة اللي كانت في إيدي عشان حتة زجاج بتلمع.
رديت عليه بكلمة واحدة الزجاج اتكسر يا محمود، والجوهرة دلوقتي هي اللي منورة حياتنا.
محمود عاش اللي فاضل من عمره في شقة قريبة مننا، ياسين كان بيزوروا من وقت للتاني، بيعامله ب الإحسان اللي ربنا أمر بيه، بس محمود كان دايماً بيحس بالغربة وهو وسطنا.. كان بيشوف في عيون ياسين الاحترام، بس مكنش بيشوف الحب اللي بيشوفه في عيونه وهو بيبص لي.
أنا كملت حياتي وأنا عارفة إن ربنا نصره عزيز مقتدر. مكنتش محتاجة محمود يرجع، ولا كنت مستنية ندى تتهان، أنا كان يكفيني إني كل يوم الصبح، ببص في وش ياسين وبقول الحمد لله إن ربنا رزقني بيك وأنا
وخلصت الحكاية، مش بوجع ولا بكسرة، لكن بدرس لكل راجل فاكر إن الجديد أحسن من الأصيل، ولكل ست خايفة من العمر.. العمر مجرد رقم، لكن القوة هي اللي بتصنع المعجزات.
شروق خالد
بعد سنين من الهدوء والرضا، ياسين اتجوز بنت أصول، ذكية وشبهه في الطموح، وبقى عندي أحفاد مالين عليا الدنيا. وفي يوم، وأنا قاعدة في جنينة بيتنا وبلاعب أحفادي، جه ياسين وقعد جنبي وحط إيده على كتفي وقالي يا أمي، أنا جالي عرض إني أكون مستشار تكنولوجي في مشروع قومي كبير، والنهاردة يوم الافتتاح والرئيس هيكرمنا، ولازم تكوني جنبي.
روحنا الحفل، وكان التنظيم مهيب، والأضواء كلها مسلطة على ياسين. وأنا واقفة في الصفوف الأولى، شريط حياتي كله عدى قدام عيني.. جرح القيصرية، والديون، والكسرة اللي كانت في عيني لما محمود رماني، وكلامه اللي كان زي السم.
فجأة، وسط الزحمة، شفت ست شكلها تعبان جداً، واقفة ورا السلك الفاصل بتحاول تبيع مناديل أو حاجات بسيطة للناس اللي داخلة.. كانت ندى. ملامحها اتغيرت، والزمن جار عليها، والجمال اللي كانت
محاولتش أشمت، ولا حتى روحت كلمتها. بصيت الناحية التانية وحمدت ربنا إن الأصيل هو اللي بيفضل في الآخر.
ياسين وهو بيستلم درع التكريم، طلب المايك وقال أنا بهدي النجاح ده لكل أم مصرية اتقال لها إنك كبرتِ أو راحت عليكي.. لأمي اللي خلفتني وهي عندها 41 سنة، وربتني وهي عندها طاقة شباب في ال.. النجاح ده مش ليا، النجاح ده ليكي يا ست الكل.
القاعة كلها هزت بالهتاف، وأنا كنت بمسح دموعي وأنا بضحك. محمود، اللي كان قاعد في البيت بيتفرج على التلفزيون وشاف المشهد ده، بعت لي رسالة بعدها بدقائق أنتي كسبتِ الرهان يا كريمة.. وأنا خسرت نفسي.
مردتش عليه، لأن السكوت أحياناً بيبقى أقوى رد.
دلوقتي، وأنا في السن ده، بقدر أقول لكل ست أوعي تخافي من العمر، وأوعي تخلي كلمة عجوزة تكسر مقاديفك. السن مش تجاعيد في الوش، السن هو استسلام القلب.. وأنا قلبي لسه بيبدأ يعيش مع كل نجاح لياسين.
وتوتة توتة، خلصت الحدوتة.. بس الأمل اللي زرعته كريمة في ابنها، فضل شجرة مضللة على كل اللي حواليها، وبقت قصتها عبرة
عدت سنين تانية، وبقى ياسين مش بس اسم ناجح، ده بقى قدوة لشباب كتير. وفي يوم من الأيام، واحنا قاعدين في ليلة شتا ودفى، ياسين قعد جنبي ومسك إيدي وباسها وقالي يا أمي، أنا عملت مؤسسة خيرية وسميتها مؤسسة كريمة للأمهات المعيلات، عشان أي ست تتحط في الموقف اللي أنتي كنتِ فيه، تلاقي اللي يسندها وتعرف إن الحياة منتهتوش لمجرد إن راجل سابها.
في اللحظة دي، حسيت إن رسالتي في الدنيا دي كملت على أكمل وجه. الوجع اللي عشته من 30 سنة، والكلمة اللي كانت زي السكينة في قلبي، هما اللي صنعوا الكيان اللي واقف قدامي ده.
محمود توفاه الله بعد صراع قصير مع المرض، وياسين قام بكل الواجب، ودفنه وخد عزاه كأنه كان أحن أب في الدنيا، ولما سألته ليه يا ياسين؟، قالي يا أمي، هو ساب لينا القسوة، بس أنتي زرعتِ فيا الرحمة، وأنا مش هسمح لقسوته تغلب رحمتك اللي ربيتينا عليها.
أما ندى، فسمعنا إنها سابت البلد وراحت تعيش في مكان بعيد، بتحاول تداري خيبتها وجمالها اللي ضاع في السكة الغلط، وعاشت وحيدة، لا مال فضل ولا سند نفعها.
دلوقتي، وأنا قاعدة وسط أحفادي، بحكيلهم حكايتي مش عشان يصعب عليهم حالي، لا، عشان يعرفوا
متابعة القراءة