وريثة من دار الأيتام حكايات شروق خالد
دخلت الفرح بعد الظهر وأنا لابسة يونيفورم الخدمة، قميص أسود واسع عليا بزيادة وجزمة لوعتها بمنديل ورق في الحمام عشان تنطق شوية. اسمي نهى، عندي ٢٤ سنة، كبرت في دار أيتام واتعودت إن الناس اللي فاكرة إن الفلوس بتعمل قيمة يتجاهلوني وكأني مش موجودة.
الفرح كان في فيلا "الجارحي" على طريق الإسكندرية الصحراوي.. الورد الأبيض كان مالي المكان، والفرقة الموسيقية واقفة تعزف جنب النافورة. كل الضيوف كانوا لابسين حاجات تمنها أكتر من إيجار شقتي في سنة.
شيرين، العروسة، شافتني قبل أي حد.
كنت شايلة صينية شربات لما وقفت قدامي بفستانها الحرير، وابتسامة باردة تخلي الدم يتجمد في العروق.
— حاسبي يا بت — قالتها وهي بتبص لي من فوق لتحت
وطيت عيني في الأرض وقلت:
— أنا أسفة يا هانم.. هبعد خالص.
بس هي مسبتنيش أمشي. صحباتها اتجمعوا وراها وبدأوا يهمسوا ويضحكوا. واحدة فيهم خبطت كتفي بقصد، الصينية مالت والشربات اتدلق على الأرض الرخام.
شيرين صرخت صرخة مبالغ فيها عشان تشد انتباه الكل:
— يا نهار أسود! أنتِ سكرانة؟ ولا غبية بالفطرة؟
— أنا والله مـ...
— مترديش عليا! — صوتها بقى أخشن —. أمثالك بياخدوا فرصة واحدة بس عشان يقربوا من الناس النضيفة، وبرضه بتفضحونا.
وشي بقى نار من الكسوف. انحنيت عشان ألم الكاس المكسور، بس هي داست برجلها على طرف الصينية.
وفجأة، عينيها جت على السلسلة الدهب الصغيرة اللي كنت لابساها
دي كانت الحاجة الوحيدة اللي فاضلة لي من أمي الحقيقية.. أو ده اللي كان مكتوب في ملف التبني بتاعي. عمري ما عرفت هي جت منين. كان جواها صورة قديمة لست شايلة طفل، ومن ورا محفور حرفين "ن. س".
تعبير وش شيرين اتغير لثانية. كان فيه خوف، أو يمكن صدمة. بس بسرعة قلبتها غضب.
— اقلعي البتاعة الرخيصة دي — قالت بغل —. شكلها مسروقة أصلاً.
مسكت السلسلة بإيدي:
— أرجوكي، بلاش دي.
شيرين شاورت للأمن:
— خرجوا الزبالة دي برا. الشحاتين مكانهم مش هنا، ده فرحي!
الضيوف بدأوا يضحكوا.
لكن قبل ما الأمن يلمسني، صوت راجل قطع الضحك ده كله:
— استنى عندك!
عاصم بيه، العريس ورجل الأعمال اللي الكل بيعمله ألف حساب، قرب مننا. وشه كان مخطوف
مسك إيدي براحة، وإيده كانت بتترعش:
— السلسلة دي معاكي منين؟ — همس بصوت مكسور.
ابتسامة شيرين اختفت تماماً.
عاصم فتح السلسلة، وشاف الصورة اللي جواها، وبلم كأنه شاف شبح.
بص لي وعينه مدمعة وقال:
— نهى... أنتِ بنتي.
شيرين صرخت صرخة هزت القاعة كلها.
حكايات شروق خالد
الصالة كلها سكتت، لدرجة إن صوت النفس كان مسموع. شيرين وشها بقى أصفر زي الليمونة، وبدأت تبرطم بكلام مش مفهوم:
"بنتك إيه يا عاصم؟ أنت أكيد اتجننت! دي واحدة شحاتة جاية تقدم مشروبات، أنت بتقول إيه؟"
عاصم مدهالهاش أي اهتمام، كان لسه ماسك السلسلة بإيد وإيدي بالتانية، وقال بصوت عالي أدام الكل:
"السلسلة دي أنا اللي صممتها