"الرسالة اللي دمرت كل حاجة" حكايات شروق خالد
في عينيها كان غريب لا عتاب، ولا كره بس حاجة شبه الوداع.
قالت بصوت واطي جدًا خلي بالك منه
رجب مسك إيدها وهو بيترعش أنا أوعدك أوعدك هعوضه عن كل حاجة.
كريمة خدت نفس طويل وبعدين همست يا ريت كنت عرفت تحب
وجسمها سكن.
الصوت وقف.
الدنيا كلها وقفت.
يوسف فضل باصص لها، مش مستوعب وبعدين هزها بإيده ماما؟ ماما قومي
مفيش رد.
الصوت اللي طلع من يوسف بعد كده كان كفيل يكسر أي قلب.
رجب وقف متجمد لأول مرة في حياته مش عارف يعمل إيه ولا حتى يستخدم فلوسه.
المرة دي خسر بجد.
عدى أسبوع.
الجنازة كانت بسيطة مفيهاش حد من الناس الكبيرة اللي رجب كان دايمًا وسطهم. بس شوية ناس من القرية وطفل واقف ساكت، عينيه ناشفة من كتر العياط.
يوسف.
رجب قرب منه بعد ما الناس مشيت يلا نرجع القاهرة.
يوسف بصله ببرود أنا مش جاي معاك.
رجب اتصدم إزاي يعني؟ أنا أبوك
أنت فاكر إن كلمة أبوك دي تيجي كده؟!
الصوت كان مليان غضب مكبوت.
يوسف كمل أنت سيبتنا سبتها تموت كل يوم لوحدها وأنا كنت شايف ده كله.
رجب سكت مفيش دفاع.
أنا عايز أفضل هنا ده مكانها.
رجب أخد نفس
وبعدين قال بهدوء تمام هنفضل هنا.
يوسف اتفاجئ إيه؟
مش هسيبك حتى لو رفضتني هفضل جنبك لحد ما تقبل.
مرت شهور.
رجب ما رجعش لحياته القديمة.
باع جزء كبير من شغله وابتدى يبني البيت من جديد، بإيده قبل فلوسه.
كان بيصحى بدري يشتغل يتعب لأول مرة يعرف يعني إيه مجهود حقيقي.
يوسف كان بيراقبه من بعيد في الأول بكره بعدين بحذر وبعدين بسكوت.
يوم، يوسف وقع وهو بيلعب واتجرحت رجله.
رجب جري عليه بخوف استنى استنى يا يوسف!
يوسف كان هيقوله سيبني بس سكت.
رجب شاله بإيده ودخله البيت، ونضف الجرح بحنية غريبة عليه.
يوسف بصله وسأله بهدوء إنت عمرك عملت كده قبل كده؟
رجب ابتسم ابتسامة حزينة لا بس كان نفسي أعمله من زمان.
الصمت بينهم المرة دي ماكانش وحش.
بعد سنة.
البيت بقى أحسن والحياة بقت أهدى.
يوسف بقى بيتكلم أكتر مش كتير، بس كفاية.
وفي يوم، وهو قاعد جنب رجب، قاله فجأة أنا ممكن أجرب أناديك بابا؟
رجب حس إن قلبه وقف.
بصله وعينيه دمعت لأول مرة من سنين ده أحلى حاجة سمعتها في
يوسف ابتسم ابتسامة صغيرة أول ابتسامة حقيقية.
رجب خسر كل حاجة كان فاكرها مهمة
بس كسب حاجة عمره ما كان فاهم قيمتها.
قلب.
وابن.
الجزء الرابع الأخير
السنين عدت بهدوء بس كل يوم كان مختلف.
رجب ما بقاش الراجل اللي الناس كانت بتخاف منه بقى راجل بسيط، بيصحى على صوت الديوك، ويقضي يومه بين الأرض والبيت. إيده اتخشنت، ووشه اتغير بس عينيه بقى فيها حاجة جديدة راحة.
يوسف كبر بقى شاب عنده 16 سنة، ذكي وهادي، وفي عينه نفس النظرة القديمة بس المرة دي فيها دفا.
العلاقة بينهم ما كانتش مثالية كان فيها شد وجذب، لحظات غضب، وأسئلة كتير يوسف كان لسه بيدور على إجاباتها.
وفي ليلة، وهما قاعدين قدام البيت تحت السما، يوسف سأل فجأة إنت عمرك ندمت بجد؟ ولا بس عشان أنا ظهرت في حياتك؟
السؤال كان صريح وموجع.
رجب ما هربش المرة دي.
بص له وقال ندمت من قبل ما أشوفك بس لما شوفتك، فهمت أنا خسرت إيه بجد.
يوسف سكت شوية وبعدين قال طب ليه زمان ما حاولتش تدور علينا؟
رجب خد نفس عميق عشان كنت جبان وأسهل حاجة عندي كانت الهروب.
الصراحة دي كانت
يوسف هز راسه، وكأنه أخيرًا سمع إجابة حقيقية.
بعد فترة، رجب قرر يعمل حاجة ماحدش كان متوقعها.
باع باقي شغله الكبير وكل الفلوس اللي كانت فاضلة عنده، استثمرها في مشروع صغير في القرية مركز علاج بسيط، ومدرسة للأطفال.
يوسف سأله ليه بتعمل كده؟
رجب رد بهدوء يمكن ما قدرتش أنقذ أمك بس ممكن أنقذ غيرها.
وفي يوم افتتاح المركز
كان فيه ناس كتير من البلد، وفرحة بسيطة مالية المكان.
يوسف كان واقف جنب رجب، وقال له ماما كانت هتكون فخورة بيك.
الكلمة دي كانت كفاية تمسح سنين من الندم.
رجب بص للسما لحظة كأنه بيسمعها.
بعد سنين كمان
يوسف دخل كلية طب.
وكان دايمًا بيقول إن السبب هو أمه.
بس الحقيقة اللي ما كانش بيقولها بصوت عالي
إن أبوه علمه معنى الفرصة التانية.
وفي آخر مشهد
رجب كان قاعد قدام البيت، شعره بقى أبيض بالكامل، وجسمه كبر.
يوسف رجع من الكلية، قعد جنبه وقال تفتكر لو رجع بيك الزمن كنت هتغير حاجة؟
رجب ابتسم ابتسامة هادية، وقال كنت هفتح الباب وماكنتش هقفلها في وشها أبدًا.
يوسف مسك إيده بهدوء.
الماضي
بس النهاية اتصلحت.
ويمكن ده كان كفاية.
الرسالة اللي دمرت كل حاجة
حكايات شروق خالد