بعد 12 سنة حكايات شروق خالد
لحظة واحدة معاكِ.
هزت راسها وهي بتمسح دموعها.
نرجع سوا؟ سألتها.
بصت لي بتردد وخوف.
نبدأ من الأول؟ كملت.
المرة دي ابتسمت لأول مرة من سنين.
معاكِ أيوه.
وفي اللحظة دي فهمت الحقيقة اللي كنت بهرب منها 12 سنة
مش كل اللي بيبعت فلوس بيكون بخير
وأوقات أغلى حاجة ممكن ترجعها مش الفلوس
لكن اتأخر كتير.
حكايات شروق خالد
فضلنا قاعدين في الصالة شوية أنا وهي، وكل حاجة حوالينا ساكتة بشكل غريب، بس جوايا كان في صوت عالي صوت سنين ضاعت.
بصيت حواليّ تاني البيت الكبير، النضيف، الفاضي.
إنتي عايشة هنا لوحدك بقالك 11 سنة؟ سألتها بهدوء.
هزت راسها.
في الأول كنت مستنية أرجع بعدين بقيت بخاف أرجع بعدين اتعودت.
الكلمة الأخيرة وجعتني.
اتعودتي على الوحدة؟
اتعودت أهرب منها بالشغل.
قمت وقفت، ولفيت في البيت لمست التراب الخفيف على الرفوف، حسيت بالبرودة اللي ماليه المكان.
البيت ده مش بيت ده سجن.
سكتت وما اعترضتش.
في نفس الليلة، ما قدرتش أنام.
كنت نايمة في أوضة الضيوف، بس كل شوية أفتكرها لوحدها في الأوضة التانية سنين طويلة كده.
قمت وخرجت بهدوء لقيتها قاعدة في الصالة، نور خافت، وبصّة في الفراغ.
لسه ما نمتيش؟ سألتها.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
مش بعرف أنام بدري.
قعدت جنبها.
كنتِ بتعملي إيه كل يوم؟
ضحكت
بصحى أشتغل أرجع آكل أي حاجة وأنام وأعيد.
ومفيش حد؟ صحاب؟ جيران؟
هزت راسها
كنت بقفل على نفسي كل ما حد يقرب، بحس إني بكدب لأني مخبية كل حاجة.
مسكت إيدها.
خلاص مش هتخبي تاني.
بصت لي نظرة فيها خوف وأمل.
أنا خايفة يا ماما أرجع وماعرفش أعيش.
وإنتي فاكرة إن اللي إنتي فيه ده عيشة؟
سكتت وبعدين دمعة نزلت منها.
تاني يوم، فتحت الشباك بدري.
الشمس دخلت لأول مرة كأن البيت بيتنفس.
هننضف البيت. قلت بحزم.
بصت لي بدهشة
إيه؟!
هنرجعه بيت مش متحف.
ولأول مرة ضحكت بجد.
بدأنا نرمي الحاجات اللي مالهاش لازمة، ننضف، نفتح الشبابيك، ندخل هوا.
كل شوية كانت تقف، تبص حوالين، كأنها مش مصدقة إن المكان بيتغير.
في أوضة الفلوس وقفت.
هنعمل إيه في كل ده؟ سألت.
بصيت للصناديق وبعدين لها.
الفلوس دي كانت وسيلة مش حياة.
سكتت.
هنستخدمها صح بس مش هتستخدمنا تاني.
هزت راسها ببطء.
بعد أسبوع، كانت أول مرة نخرج سوا.
تمشينا في الشارع كانت ماسكة في إيدي زي زمان.
بصت للناس، للمحلات، للأطفال كأنها شايفة الدنيا لأول مرة.
أنا نسيت الإحساس ده قالت بهدوء.
إحساس إيه؟
إني إنسانة عادية.
ابتسمت لها
إنتي عمرك ما كنتي غير كده.
قبل ما نسافر، وقفت قدام البيت.
مش هترجعي له تاني؟ سألتها.
بصت له شوية وبعدين
لأ أنا هرجع لنفسي.
الكلمة دي كانت كفاية.
في الطيارة، كانت ماسكة إيدي طول الرحلة.
مش خوف أمان.
وأنا بصيت لها لنفسي وفهمت حاجة متأخرة
السنين ممكن تضيع
بس لو لحقنا بعض
ممكن نبدأ من جديد.
والمرة دي
مش لوحدنا.
رجعنا البيت بيتي القديم اللي عمره ما حسّيته فاضي غير من غيرها.
أول ما دخلت، وقفت على الباب وبصّت حواليها عينيها بتمشي على كل تفصيلة.
لسه زي ما هو قالت بهدوء.
ابتسمت
كنت بسيبه زي ما إنتي بتحبيه يمكن ترجعي في يوم.
بصّت لي بسرعة والدموع لمعت في عينيها.
في أول أسبوع، كل حاجة كانت غريبة عليها.
الصوت الناس حتى الأكل.
كانت بتتعب بسرعة، وتتوتر من أقل حاجة، وكأنها نسيت تعيش وسط بشر.
بس كنت بصبر.
كل يوم نطبخ سوا نخرج شوية نقعد نحكي.
وبالراحة بدأت ترجع.
في يوم، دخلت المطبخ لقيتها بتعمل الأكلة اللي كانت بتحبها وهي صغيرة.
وقفت أتفرج عليها في صمت.
فاكرة؟ قالت وهي بتقلب.
عمري ما نسيت.
ضحكت الضحكة دي كانت جديدة وقديمة في نفس الوقت.
بس مش كل حاجة كانت سهلة.
في ليالي كنت بصحى على صوتها وهي بتعيط.
أدخل ألاقيها قاعدة لوحدها.
وحشني قالت مرة.
مين؟
جوزي رغم كل حاجة.
قعدت جنبها.
الحزن مش عيب بس ما يخطفش عمرك كله.
هزت راسها وفضلت ساكتة.
بعد شهرين، حصلت حاجة غيرت كل حاجة.
في يوم، وهي بتنضف الشنطة القديمة بتاعتها، لقيت ظرف.
إيديها اترعشت وهي بتفتحه.
طلعت منه ورقة وصورة.
قعدت على الكرسي فجأة.
إيه ده؟ سألتها.
بصّت لي بصدمة
ده من كانغ جون.
قلبي دق.
إزاي؟!
الخطاب مكتوب قبل ما يموت.
خدت الورقة منها وقريت بصوت واطي
لو حصلي حاجة خدي بالك من نفسك وارجعي لأمك ما تعيشيش لوحدك ما تعاقبيش نفسك بسببي
سكت.
بصّيت لها.
كانت منهارة.
أنا عملت عكس كل حاجة قالها قالت وهي بتبكي.
مسكت إيديها
بس لسه قدامك وقت تصلحي.
هو كان عايزني أرجعلك وأنا هربت منك
ورجعتِ حتى لو متأخر.
في الليلة دي حصلت أول لحظة سلام حقيقية.
نامت وهي مطمنة.
بعد كده بأيام، قالت لي فجأة
أنا عايزة أشتغل هنا وأعيش حياة عادية.
ابتسمت.
أهو ده الكلام.
بدأت تفتح صفحة جديدة.
شغل بسيط في الأول تعامل مع ناس ضحك حياة.
وبعد فترة، عملت حاجة أنا ما توقعتهاش.
قالت
أنا عايزة أستخدم الفلوس مش لنفسي بس.
هتعملي إيه؟
دار صغيرة للستات اللي زيي اللي اتكسرت وبقت لوحدها.
بصّيت لها بفخر.
أنتي بقيتي أقوى من وجعك.
وفي يوم الافتتاح
كانت واقفة قدام المكان، مبتسمة.
بصّت لي وقالت
لو ما كنتيش جيتي كنت فضلت ضايعة هناك.
رديت عليها بهدوء
ولو إنتي ما فتحتيش الباب كنت هرجع مكسورة برضه.
المرة دي مليان حياة.
وفي
مش كل نهاية وجع بتفضل نهاية.
أوقات بتكون بداية لحياة كنا فاكرين إنها مستحيلة.
وإحنا أخيرًا بدأنا نعيش.
بعد 12 سنة
حكايات شروق خالد