دكتورة رغم أنفه حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

أبويا كان فاكر إني رجعت البيت البنت الهادية اللي لسه يقدر يمسح وجودها.. لا كارنيه، ولا بالطو أبيض، ولا لقب.. "مثالية" بالنسبة له. عشان كدة لما قال لواحد غريب: "هي سابت الطب من سنين"، فضلت ساكتة. لحد ما "عميد الكلية" جه ناحيتنا، وبص في وشه وقاله: "دكتورة أمل واحدة من أشطر الجراحين اللي اتخرجوا من عندنا". ودي كانت أول شرارة.. أما التوقيع المزور، فكان القنبلة التانية.
**الجزء الأول: كذبة المدرج**
أول ما أبويا بدأ يتكلم، عرفت إن فيه كذبة جاية في الطريق. مش عشان معايا دليل، لسه.. بس عشان أبويا ليه "سكة" معينة. كذبه دايماً بيجي متغلف بالشياكة: إيد قوية على كتف اللي قدامه، ضحكة أعلى من اللازم، وريحة "أفتر شيف" ولبان نعناع وقهوة بايتة.
أنا كنت لسه واصلة من "القاهرة" للمنصورة ليلة الحفلة عشان تخرج أخويا الصغير من كلية الطب. فستاني الأسود كان لسه مكرمش من الشنطة، وكارنيه المستشفى كان مستخبي جوه شنطة إيدي.
**دكتورة أمل رضوان**
**رئيسة قسم جراحة القلب والصدر**
**مستشفى قصر العيني**
الكارنيه ده دفع تمنه سنين من التعب والتضحية وعفرة عشان أثبت نفسي. كنت هلبسه.. وبعدين تراجعت. قولت ده

يوم "إياد" أخويا، مش يومي أنا. مش اليوم اللي هصحح فيه الكذبة اللي أبويا بيأكلها للناس من أكتر من عشر سنين.
المدرج كانت ريحته نضافة وبرفانات وورد. العائلات كانت مالية الطرقات، أهالي بيعدلوا لبس التخرج لعيالهم، وجدود بيمسحوا دموعهم من قبل ما الحفلة تبدأ أصلاً.
لقيت أهلي في نص المدرج. أمي، "هدى"، كانت واقفة وماسكة شنطتها على بطنها، وعلى وشها الابتسامة الباهتة اللي بترسمها لما تحب تبين إن كل حاجة تمام. وأبويا، "راضي"، كان واقف بيتكلم مع راجل لابس بدلة بني وبيضحك كأنه صاحب الكلية.
أول ما شافني، فيه حاجة لمعت في عينه.. "حسابات". بص عليا بسرعة.. مفيش كارنيه، مفيش بالطو، مفيش لقب باين. فابتسم وقال: "أمل! أهي جت اهي".
أمي همست: "جيتي يا حبيبتي".
رديت: "قولتلك هاجي".
وقبل ما أمي تلحق تحضنني، أبويا لف للراجل اللي جنبه وقال بذكاء: "دي بنتي أمل، أخت إياد الكبيرة".
الراجل مد إيده: "أنا أشرف حسن، بنتي بتتخرج النهاردة هي كمان".
قولتله: "أهلاً بيك".
أبويا كمل كلامه بمنتهى الثبات: "أمل جربت الطب فترة، سنة امتياز تقريباً.. وبعدين لقت إن دي مش العيشة اللي تناسبها. دلوقتي شغالة في الإدارة
في مستشفى.. وظيفة مستقرة ومرتبها كويس".
الدوشة اللي حواليا فجأة سكتت في ودني. أشرف هز راسه بذوق: "مفيش عيب إن الواحد يعرف يغير طريقه امتى، الطب مش لكل الناس".
أمي بصت في الأرض وهي ماسكة "بروجرام" الحفلة. كان ممكن أصلحه في لحظتها وأقوله: "على فكرة أنا مسبتش الطب، أنا بقيت جراحة".
بس إيد أبويا نزلت على كتفي.. كانت تقيلة أوي. صباعه ضغط عند رقبتي بحدة، وكأنه بيحذرني. وأضاف: "أمل طول عمرها عملية".
بصيت لإيده لحد ما شالها، وبعدين ابتسمت لأشرف عشان ملوش ذنب في القرف ده: "مبروك لبنتك".
مشيت بعيد وقعدت في آخر صف، إيديا كانت مفرودة على ركبي وزوري واجعني من كتر الكتمة. قضيت 11 سنة بقنع نفسي إن مش مهم أبويا بيقول إيه.. بس لما فتحت كتيب الحفلة، شوفت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي.
**"جائزة عائلة رضوان للتفوق الطبي"**
قريتها مرتين.. وتلاتة. عيلتنا مكنش ليها أي "تاريخ طبي".. على الأقل ده اللي كنت عارفاه قبل ما الراجل اللي لسه قايل لواحد غريب إني "سيبت الطب" يقرر يوزع جوايز باسم العيلة.
اللي حصل بعد كدة غير كل حاجة.

حكايات شروق خالد

**الجزء الثاني: المواجهة**
الفضول والشك خلوني مش شايفة

قدامي. قمت من مكاني ورحت ناحية الكواليس، المكان اللي فيه العميد والدكاترة بيجهزوا الدروع والجوايز. قلبي كان بيدق زي الطبلة، وفي إيدي كتيب الحفلة اللي مكتوب فيه اسم الجائزة.
وقفت ورا ستارة تقيلة وشوفت أبويا وهو بيوشوش سكرتيرة العميد وبيديها ظرف مقفول بضحكة خبيثة، وقالها: "ده شيك التبرع للجايزة، زي ما اتفقنا مع الدكتور مدحت.. والاسم يتكتب زي ما هو في العقد."
أول ما أبويا مشي، قربت من السكرتيرة. كانت بنت صغيرة وشكلها مرتبك من ضغط الحفلة.
— "لو سمحتي، أنا أمل رضوان، بنت الأستاذ راضي. كان عايزني أتأكد من بيانات العقد بتاع الجايزة عشان فيه غلطة في الاسم."
البنت بصتلي بصدق وطلعت ملف من وسط الأوراق: "آه طبعاً يا دكتورة، اتفضلي."
فتحت الملف، وعينيا كانت بتدور على حاجة واحدة.. "التوقيع".
الجايزة كانت ممولة من حساب بنكي متجمد من سنين.. حساب "جدي" الله يرحمه. جدي اللي كان سابلي وصية ومبلغ مالي كبير عشان أكمل دراستي برا مصر، وأبويا وقتها قالي إن الحساب ده ضاع في البورصة ومفيش منه مليم. لكن الورقة اللي في إيدي كانت بتقول غير كدة خالص. أبويا كان "بيزور" توقيعي بقاله سنين عشان يسحب من
الحساب ده ويصرف منه على "منظره" 

تم نسخ الرابط