دكتورة رغم أنفه حكايات شروق خالد
قدام الناس، ودلوقتي بيستخدم فلوسي عشان يشتري لنفسه لقب "عيلة طبية" قدام العميد.
رجعت المدرج ودمي بيغلي. الحفلة بدأت، والعميد طلع على المنصة.
— "والآن، نرحب بالأستاذ راضي رضوان، لتقديم جائزة التفوق الطبي."
أبويا قام بمنتهى الفخر، وظبط الجاكيت وطلع على المسرح وسط تصفيق الناس. بصيت لأمي لقيتها بتعيط، بس مكنتش دموع فرح، كانت دموع "كسرة".
أبويا مسك الميكروفون وقال: "الطب في دمنا.. ورغم إن بنتي الكبيرة مكنش ليها نصيب تكمل، بس كان لازم أدعم الجيل الجديد باسم عيلتنا."
في اللحظة دي، مسمعتش صوت غير دقات قلبي. قمت من مكاني ومشيت في الممر اللي في النص بخطوات ثابتة. القاعة كلها سكتت. أبويا وشه بدأ يلون لما شافني بقرب من المنصة.
— "أمل؟" أبويا همس في الميكروفون وهو بيحاول يضحك — "تعالي يا حبيبتي شاركينا اللحظة."
العميد، الدكتور مدحت، عدل نضارته وبصلي بتركيز. وفجأة ملامحه نورت بابتسامة ذهول:
— "مش معقول! دكتورة أمل رضوان؟"
العميد ساب أبويا وطلع خطوتين لقدام وهو بيمد إيده يسلم عليا بحرارة:
— "يا جماعة، إحنا معانا النهاردة مفاجأة مكنتش على البال. الدكتورة أمل مش بس بنت الأستاذ راضي، دي واحدة من أهم جراحي القلب في قصر العيني، وبحثها الأخير في لندن
السكوت اللي حل في القاعة كان مرعب. أبويا كان واقف وراه، الميكروفون لسه في إيده، بس وشه كان بقى زي الجير. الراجل اللي كان لسه بيقول "بنتي سابت الطب" بقى منظره قدام المجتمع والعميد "كذاب" ونصاب.
بصيت لأبويا في عينه، وطلعت الملف اللي أخدته من السكرتيرة ورفعته قدام الكل:
— "جيت عشان أصحح غلطة يا دكتور مدحت. الجايزة دي فعلاً من عيلة رضوان، بس بفلوس جدي اللي كانت محطوطة باسمي.. وبالتوقيع المزور اللي أبويا بيمضي بيه بدالي في البنك."
الهمهمات في القاعة زادت. أبويا حاول يتكلم: "أمل، إنتي بتقولي إيه؟ إنتي تعبانة.."
قربت منه وأخدت الميكروفون من إيده بمنتهى الهدوء:
— "أنا مش تعبانة يا بابا. أنا "الدكتورة" أمل رضوان، والجراحة اللي جاية هعملها.. هتكون جراحة استئصال لكذبك من حياتنا للأبد."
في اللحظة دي، دخلت قوة من أمن الجامعة ومعاهم اتنين بملابس مدنية (مباحث الأموال العامة) كنت كلمتهم وأنا في الكواليس أول ما شوفت العقد المزور.
أبويا نزل من على المسرح، مش وهو "صاحب العيلة الطبية"، لكن وهو متكلبش في فضيحة قدام كل دكاترة المنصورة.
بصيت لأخويا "إياد" اللي كان واقف ببالطو التخرج وعينه مليانة دموع،
— "مبروك يا دكتور. دلوقتي بس تقدر تبدأ حياتك بجد.. من غير كذب."
حكايات شروق خالد
**الجزء الثالث والأخير: الحساب**
القاعة اتقلبت خلية نحل. الناس واقفة على كراسيها، والهمهمات بقت صرخات مكتومة. أبويا كان بيحاول يفلت إيده من عسكري الأمن وهو بيزعق: "دي بنتي! دي مجنونة! متصدقوهاش!" بس العميد أخد الملف من إيدي وبدأ يقلب في الورق بوش خشب، وعينه جت على صور بطاقتي الشخصية وصور التوقيعات اللي كانت السكرتيرة صورتها "سكان" وحطاها في الملف.
بصيت لأبويا وهو بيتسحب لبرة القاعة، منظره كان يصعب على الكافر، الهيبة اللي كان راسمها سنين وقعت في لحظة تحت رجلين أصغر طالب في المدرج.
أمي قامت من مكانها، وجت عليا. كنت فاكرة إنها هتلومني أو تعاتبني إني فضحت أبويا، بس فاجأتني لما حطت إيدها على كتفي وضغطت عليها، وهمستلي بصوت مسموع للكل:
— "تعبت وأنا بداري وراه يا أمل.. كفاية كدة. جِدك الله يرحمه كان عارف إن راضي هيضيع كل حاجة، عشان كدة أمنك إنتي.. وأنا سكت كتير عشان البيت ميتخربش، بس النهاردة البيت نضف."
العميد رجع للميكروفون، وصوته كان فيه نبرة اعتذار:
— "إحنا بنعتذر للدكتورة أمل عن اللبس اللي حصل، وبنعلن إن الجايزة هتتوقف فوراً لحد ما يتم التحقيق
طلعت على المسرح، وبدأت أسلم الشهادات. ولما وصل الدور على "إياد" أخويا، حضنته جامد. كان بيترعش، بس همس في ودني:
— "شكراً يا أمل.. كنت حاسس إن فيه حاجة غلط، كنت حاسس إن لبسي للبالطو ده تمنه وسخ، دلوقتي بس حاسس إني دكتور بجد."
**بعد أسبوعين:**
الحياة اتغيرت تماماً. أبويا اتحول للتحقيق في قضية تزوير واستيلاء على أموال قاصر (لأن التزوير بدأ وأنا لسه صغيرة). المحامي بتاعي قدر يثبت إن كل المبالغ اللي اتسحبت كانت بتوقيعات مضاهاة لخطه هو مش خطي، والحساب البنكي اتحط تحت الحراسة لحد ما يرجعلي حقي.
أمي طلبت الطلاق، وقررت تعيش معايا في القاهرة. وإياد بدأ نيابة الجراحة في نفس المستشفى اللي أنا فيها، وبقينا "عيلة طبية" بجد، بس عيلة قايمة على المشرط اللي بيشيل الوجع، مش المشرط اللي بيذبح الأهل.
قعدت في مكتب الرئاسة بتاعي، بصيت لكارنيه المستشفى اللي كان أبويا عايزني أخفيه، وحطيته قدامي على المكتب بابتسامة.
**الحقيقة مُرة، بس بتشفي.. والكذب ناعم، بس بيخنق. وأنا اخترت أعيش وأنا بتنفس بجد.**
**تمت.
"دكتورة رغم أنفه
حكايات شروق خالد