دفتر الغلابة اللي طلع كنز. حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

"الكتاب ده ملوش لازمة، سيبوه يعفن مع العجوزة."
أبويا رمى دفتر توفير جدتي فوق التابوت بالظبط قبل ما عمال الترب ينزلوه في التربة المبلولة.
ولا كلمة طلعت من حد.
لا أعمامي، ولا ولاد عمي، ولا حتى الشيخ اللي كان لسه مخلص صلاة الجنازة.
الكل كان باصص للدفتر الأزرق اللي عليه طين كأنه زبالة.
كأنه مش آخر حاجة "ستوتة هانم" سابتهالي في الدنيا دي.
كان عندي سبعة وعشرين سنة، لابسة فستان أسود مستلفاه، وإيدي كانت مثلجة لدرجة إني مش حاسة بصوابعي.
أبويا، "رضا"، عدل جوانتي الأسود وابتسملي نفس الابتسامة اللي كان بيبتسمها وأنا صغيرة لما كان يقولي إن العياط ده "دلع وقلة أدب".
قال لي: "أدي ورثك يا كلير.. دفتر قديم. لا بيت، ولا أرض، ولا مليم. جدتك كانت طول عمرها بتحب تعيش في جو الألغاز والتمثيل."
مراته، "نادية"، ضحكت من تحت نضارتها السوداء وقالت بصوت واطي: "يا عيني.. لسه فاكرة إن ستي سايبة لها كنز."
أخويا من أبويا، "تامر"، قرب مني ووشوش في ودني: "لو لقيتي فيه ٢٠ جنيه، هتعزمينا على حواوشي."
كام واحد من قرايبنا ضحكوا.
أنا مضحكتش.
المحامي "أستاذ رأفت" كان واقف وشّه جايب ألوان تحت التندة. قبلها بثلث ساعة، كان قرا وصية

جدتي قدام الكل:
"لحفيدتي كلير، أسيب دفتر التوفير بتاعي وكل الحقوق المتعلقة بيه."
أبويا مخدش ولا مليم.
وعشان كدة كان هيتجنن من الغل.
جدتي هي اللي ربتني بعد ما أمي ماتت في حادثة وأنا عندي خمس سنين. هي اللي علمتني إزاي أدبر قرشي، وإزاي أقرا العقود قبل ما أمضي، وإزاي أبص في عين اللي بيحاول يخوفني.
قبل ما تموت بأسبوع، وهي في المستشفى، ضغطت على إيدي بصوابعها الضعيفة ووشوشت لي:
"لما يضحكوا عليكي، سيبيهم يضحكوا.. وبعدها روحي البنك."
ساعتها مفهمتش قصدها.
دلوقتي، وأنا باصة للدفتر الملطخ بالطين وهو مرمي فوق الخشب، بدأت أترعش.
قربت من القبر.
أبويا مسك دراعي جامد: "إياكي تعمليها."
بصيت له وقلت: "سيب إيدي."
"ماتفضحناش قدام الناس يا كلير."
"إنت قمت بالواجب وزيادة."
السكوت بقى تقيل أوي، أتقل من المطر.
نزلت براحة عند حرف القبر ووطيت جبت الدفتر. الطين كان لازق في الجلدة بتاعته، وريحته كانت ورق مبلول وتراب.
حضنته وبصيت لهم: "ده بتاعها.. ودلوقتي بقى بتاعي."
أبويا قرب مني لدرجة إني شميت ريحة السجاير في نفسه وقال: "جدتك معرفتش حتى تحافظ على بيتها.. فاكرة إنها هتحافظ عليكي إنتي؟"
حسيت بحاجة جوايا بردت تماماً..
أو يمكن ولعت نار.
حطيت الدفتر في شنطتي ومشيت ناحية بوابة الترب.
تامر وقف في طريقي: "رايحة فين؟"
بصيت من ورا السور الحديد للشارع اللي غرقان مطر وقلت: "رايحة البنك."
ضحكوا وأنا ماشية وببعد عنهم.
صوت ضحكة أبويا كان أعلى واحد فيهم.
بس المحامي مضحكش.
كان باصص لي وكأنه شايف حد بيولع كبريت جنب بنزينة.
بعد ساعة، دخلت فرع البنك في وسط البلد وأنا مبلولة من فوق لتحت.
الموظفة اللي كانت قاعدة، واحدة اسمها "مدام ليلى"، فتحت الدفتر وقرت اسمي بالكامل، وفجأة وشها بقى أبيض زي الورقة.
بإيد بتترعش، رفعت السماعة.
وشوشت للموظف اللي جنبها: "اطلب البوليس.. واقفلوا الأبواب فوراً. البنت دي ممنوع تخرج من هنا."
الأرض لفت بيا..
مكمتش أعرف إن حياتي كلها كانت على وشك إنها تتشقلب مية وتمانين درجة
حكايات شروق خالد

قلبي كان هيقف من الرعب. البوليس؟ ليه؟ أنا عملت إيه؟
كل اللي في البنك بدأوا يبصوا لي، والأمن وقف قدام الباب الرئيسي وقفلوا الترباس. مدام ليلى كانت لسه ماسكة السماعة وإيدها بتترعش، وعينها مش مفارقة وشي، وكأنها شايفة عفريت.
"يا فندم في إيه؟ أنا عملت حاجة غلط؟" صوتي طلع مهزوز ويدوب مسموع.
مدام ليلى مردتش عليا، بس

شاورت لواحد من أمن البنك إنه يفضل واقف جنبي.
بعد عشر دقايق، سمعت صوت السرينة برا. الباب اتفتح ودخل ضابط واثنين عساكر. الضابط كان شاب وسيم بس ملامحه كانت حادة جداً. بص للموظفة وقال: "فين الدفتر؟"
مدام ليلى شاورت عليا وهي بتقول بصوت مقطوع: "معاها يا فندم.. الاسم مطابق، والرقم السري اليدوي اللي في آخر صفحة هو الكود الأحمر."
الضابط قرب مني، وبص لشكلي المبهدل، هدومي المبلولة وشعري اللي بينقط مية من المطر، وكأنه مش مصدق إن "أنا" صاحبة الدفتر ده.
"آنسة كلير رضا Hayes؟"
هزيت راسي وأنا مش قادرة أنطق.
"ممكن تتفضلي معانا على المكتب الجانبي؟ وبدون شوشرة لو سمحتي."
دخلنا مكتب المدير، والضابط خد مني الدفتر وبدأ يقلب فيه بجهاز غريب كان معاه. فجأة، بص للمدير وهز راسه بالإيجاب.
المدير قام وقف فجأة، وبص لي بنظرة كلها احترام وخوف في نفس الوقت، وقال: "يا فندم إحنا بنعتذر عن الطريقة دي، بس دي التعليمات الأمنية المشددة اللي محطوطة على الحساب ده من ٣٠ سنة."
أنا كنت في ذهول تام. "حساب إيه؟ جدتي كانت ست غلبانة، أبويا بيقول إنها ماتت وهي مديونة!"
الضابط ضحك بمرارة وقال: "أبوكي؟ رضا الهايس؟"
قلت له: "أيوه."
طلع ورقة
من ملف كان معاه وقال: "الدفتر ده مش مجرد حساب توفير يا آنسة كلير.

تم نسخ الرابط