فاتورة عيد الميلاد حكايات شروق خالد
كنت قاعدة في أوضة النورسي على الأرض لما أدركت إن النزيف مش راضي يقف.
في الأول فضلت أصبر نفسي وأقول عادي، كل المقالات وكل الستات الكبيرة وكلام المنتديات بيقولوا إن نزيف ما بعد الولادة ممكن يطول أسابيع. بس اللي كان بيحصل ده ماكانش مجرد تنقيط أو وجع عادي.. ده كان دم بينزل مني بغزارة وبكميات مرعبة، غرق بنطلوني وبدأ يفرش على السجادة اللي تحت الكرسي الهزاز.
ابني كان بيصرخ في سريره.. وأنا كنت ميتة من الرعب.
بقالي تمن أيام بس والدة ابني ياسين. تمن أيام من قلة النوم، وجسمي المكسر، والوجع اللي بياكل فيا، ووحدة غريبة مش عارفاها.. ما بقتش حاسة إن جسمي ملكي، ومريت بكل أنواع المشاعر من الخوف للانهيار، والبيت اللي في التجمع ده فجأة بقى واسع وقبض ومخيف.
بس في يوم الجمعة ده، مابقاش فيه حاجة تهم غير إني كنت عارفة إن فيه مصيبة بتحصل.
قلت بصوت واطي ومخطوف أرجوك.. أنا محتاجة مستشفى.
جوزي كريم حتى ما بصليش.
كان واقف قدام مراية الطرقة بيظبط قميصه الأبيض المكوي، كان حالق دقنه وريحته برفان غالي ورايق ع الآخر.. شكل راجل رايح يقضي ويك إند فخم مع صحابه، مش شكل راجل شايف مراته بتنزل دم على الأرض.
كان عيد ميلاده التلاتين.
وكان حاجز فيلا كبيرة في السخنة للويك إند ده.. شلة صحاب، وشوي، وسهر، وكل حاجة مترتبة من شهور.
قلتله وصوتي
نفخ بضيق وقال سارة.. بلاش بقى تنكدي عليا في اليوم ده.
بصيت له بذهول أنا بتكلم جد.. فيه حاجة غلط بجد.
رد ببرود وهو بيلبس نضارته الشمس يا بنتي ما إنتي لسه والدة! أمي حذرتني إن ده هيحصل، قالتلي الستات بعد الولادة بيبقوا دراما أوي، دموع ونزيف ومبالغة في كل حاجة.
أنا مش ببالغ.
لأ بتبالغي.
فجأة حسيت بهبوط حاد وزغللة في عيني خلتني مش شايفة قدامي.
مسكت في طرف سرير البيبي عشان ما اقعش.. والطفل كان لسه بيصرخ صرخة تقطع القلب.
قلتله بهدوء من كتر التعب أنا مش حاسة بإيدي.. أرجوك اطلب الإسعاف.
كريم ضحك بسخرية وهو بيلبس ساعته إسعاف؟ بجد؟ عشان الجيران يفضلوا يتكلموا ويقولوا كريم ساب مراته وراح يحتفل بعيد ميلاده؟ انسى يا سارة.
دموعي نزلت غصب عني طيب كلم مامتك.. كلم أي حد.
هز كتافه وقال مامي جاية بكره الصبح.. خدي دش واشربي حاجة دافية وهتبقي زي الفل.
بصيت تحت رجلي، الدم كان وصل لحرف السجادة.
اللي بيحصل ده مش طبيعي.
زعق فجأة عارفة إيه اللي مش طبيعي؟ الدراما اللي مابتخلصش دي! أنا محبوس في البيت ده بقالي تمن أيام بسمع عياط وزن وشكوى.. من حقي أشم نفسي يومين.
حاولت ألمسه وهو ماشي من جنبي كريم.. بص لي طيب.
طراطيف صوابعي لمست بنطلونه.
نطر إيده بعيد عني فوراً وقال ماتحاوليش تحسسيني بالذنب.. أنا هقفل
وسابني وخرج.
بكل بساطة.. ورزع الباب وراه.
حكايات شروق خالد
رزعة الباب كانت زي الطلقة في ودني.. البيت فجأة بقى هس، مفيش غير صوت صريخ ياسين اللي مكنش بيبطل، وصوت الساعة اللي على الحيطة.
حاولت أقوم، بس رجلي كانت زي الخشب، والدوخة خلت الأوضة بتلف بيا كأني في مرجيحة. وقعت على ركبي، والدم غرق الأرض أكتر. مسكت الموبايل بإيد بتترعش، كنت عاوزة أطلب الإسعاف بنفسي، بس الشاشة كانت مغبشة قدام عيني.. الأرقام كانت بتجري، ومن كتر الرعب والضعف، الموبايل وقع من إيدي تحت السرير.
ياسين.. يا حبيبي.. كنت بنادي عليه بصوت طالع بالعافية، بس هو كان بعيد عني، وأنا مش قادرة أوصل له. حسيت إن روحي بتتسحب مني، وبرد شديد بدأ ينهش في جسمي رغم إن الجو كان حر. غمضت عيني واستسلمت للظلمة وأنا بقول لنفسي أنا بموت.. وجوزي سابني عشان يشوي لحمة مع صحابه.
بعد يومين..
كريم كان راجع، وشه كان محروق من شمس السخنة، والضحكة كانت لسه على وشه وهو بيفتح باب البيت بمفتاحه. كان شايل شنطته وفي إيده كيس فيه هدايا ل ياسين، يمكن عشان يراضي ضميره شوية.
أول ما فتح الباب، استغرب من السكون.. سارة؟ أنا جيت! خلصتي نكد ولا لسه؟
محدش رد.
دخل الصالة، ولقى البيت نظيف زيادة عن اللزوم.. مفيش ريحة
طلع جري على أوضة النوم، ولقاها فاضية، والسرير مترتب كأن مفيش حد نام عليه. جرى على أوضة ياسين.. وهنا كانت الصدمة.
الأوضة كانت فاضية تماماً، السرير متشال، الهدوم مش موجودة، وال السجادة الكريمي اللي كانت غرقانة دم.. مش موجودة.
وفجأة لقى ورقة محطوطة على الكومودينو، وعليها مفاتيح البيت بتاعته التانية.
فتح الورقة بإيد بتترعش، لقى مكتوب فيها جملة واحدة بخط والده
الدراما خلصت يا كريم.. بس الفاتورة لسه مدفعتش.
نزل جري على تحت، لقى بواب العمارة بيبص له بقرف واحتقار. كريم صرخ فيه مراتي فين؟ ابني فين؟
البواب رد عليه ببرود المدام كانت بتموت يا أستاذ، ولولا إن مامتك جت بدري صدفة ولقتها غرقانة في دمها والولد كان صوته راح من الصريخ، كان زماننا بنطلعهم في كفن.. مامتك هي اللي طلبت الإسعاف، وهي اللي خدتها ومسحت دمها، وحلفت إنك مش هتشوف ظفر حد فيهم تاني.
كريم حاول يكلم أمه، لقى رقمه بلوك. حاول يكلم سارة، لقى رقمها ملغي.
راح لبيت حماه، لقى الباب مقفول في وشه، وحماه قاله من ورا الباب إحنا رفعنا قضية خلع، والنيابة عندها تقرير المستشفى إنك سيبت مراتك في حالة خطر.. ابعد عننا عشان ما نوديكش ورا الشمس.
كريم قعد على السلم يعيط، بس المرادي النكد كان حقيقي،
فيه