غلطة معمل حكايات شروق خالد
بعد تلات ساعات من كلام الدكتور اللي قالي فيه إن عندي احتمال كبير أكون مريضة سرطان معدة، كنت واقفة وشايفة جوزي بعيني وهو بيحط إيده على بطن ست تانية حامل.
دي اللحظة اللي جوازي مات فيها بجد.
مش لما الدكتور أحمد كان قاعد قصادي في مكتبه في مستشفى دار الشفاء، ونظارته بدهب نازلة على أرنبة مناخيره، وصوته واطي ومتحفظ وهو بيقولي: "يا شاهيناز، الأشعة والتحاليل مش مريحة خالص." مش لما زق الملف ناحيتي على المكتب كأنه شايل جبل فوقيه. ولا حتى لما قريت الكلمات اللي خلت الأوضة تلف بيا: اشتباه ورم خبيث، كتلة في المعدة، ومطلوب متابعة عاجلة.
لأ.. جوازي مات بعد عشرين دقيقة بالظبط في صالة المستشفى، تحت إضاءة بيضا وقوية خلت كل الناس شبه الفتاتيت أو طيف مالوش ملامح.
كنت لسه حاضنة الملف وضامّاه لصدري وخايفة عليه، لما تليفوني رن.
شريف.
جوزي العزيز مابيكلمنيش بالنهار خالص إلا لو عاوز حاجة تتغسل، أو ميعاد يتظبط، أو ورقة تتوقع، أو يسأل عن حاجة ضايعة. ردت عليه برضه.. عشان بعد اتناشر سنة جواز، كان لسه فيه حتة غبية وجواها أصل في قلبي، بتصدق إن الخبر الوحيد الوحش لازم يتقال للشخص اللي وعدك إنه هيفضل جنبك في المُر قبل الحلو.
شريف قال ببرود: "أنا مش هتعشى في البيت النهاردة."
صوته كان ناشف، مستعجل، وملان زهق.
بلعت
سمعت صوت ضحكة مكتومة جاية من التليفون.. ضحكة ست.
زعق وقالي: "قلتلك هتيخر! متبدأيش بقى نكد!"
وقفل السكة في وشي.
بس الضحكة دي مأختفتش من ودني.
الضحكة دي كانت جاية من ورايا.. في نفس المكان!
لفيت براحة أوي، وكان هناك.
شريف علام، جوزي.. الأنيق، اللي لابس بدلة غالية من براند، اللي دايماً مشغول ومش فاضي.. كان واقف جنب قسم أمراض النساء والولادة، ومحوط بدراعه ياسمين، السكرتيرة بتاعته اللي عندها ٢٧ سنة. كانت لابس فستان بيج ضيق ومجسم مبين تدويرة بطنها الصغيرة. إيدها كانت محطوطة على بطنها كأنها بتعرض كاس أو جايزة كسبتها.
شريف وطى وباسها من جمجمة راسها.
أنا نسيت إزاي أتنفس.
ياسمين بصت له وضحكت: "هي شاهيناز سألتك أنت فين؟"
شريف ضحك وقال: "دي نايمة على ودنها ومابتشكش في الهوا."
كنت واقفة على بعد خطوات منه، مش شايفني أصلاً، وفي إيدي حكم بالإعدام.
شريف كمل كلامه وقال: "لو مش عشان هي شايلة البيت ومظبطة كل حاجة، كنت طلقتها من سنين."
ياسمين شفايفها اترسمت عليها ابتسامة: "بس ابننا هيغير كل حاجة، صح؟"
قالها وهو بيلمس بطنها: "ابننا هيغير كل حاجة.. أول ما يتولد، شاهيناز دي مش هيبقالها وجود."
الملف في إيدي اتعصر واتطبق من كتر ما كنت متبتة فيه. سنين وحماتي، الحاجة ميرفت،
ودلوقتي واقف هنا وبيسمي ابن ست تانية معجزته!
كان المفروض أصرخ.
كان المفروض أرمي تقرير السرطان ده في وشه.
بس بدل كل ده، رفعت تليفوني وأخدت صورة واحدة بس.
صورة لإيد شريف على بطن ياسمين.
ضحكتها.
ودبلة جوازه وهي بتلمع تحت نور المستشفى.
لفيت ضهري ومشيت.
برة المستشفى، حمارة القيظ والشمس بتاعة القاهرة خبطت في وشي كأني فتحت باب فرن. وصلت لعربيتي بالعافية قبل ما رجلي تخونني. قعدت ورا الدريكسيون، قفلت الأبواب، وبصيت لنفسي في المراية.
عضم وشي كان باين وناشف أكتر من الأول. عيني كانت مطفية وتعبانة. شعري البني اللي كنت دايماً بسرحه وأعمله سشوار عشان عزومات العشا بتاعته، كان ملموم لورا بتوكة رخيصة.. لمة ست ضيعت سنين عمرها عشان تريح الناس وتنسى نفسها.
ضحكت ضحكة مكتومة طلعت شبه الشهقة.
أنا عندي سرطان، احتمال.
وجوزي مخلف من عشيقته، أكيد.
ومش عارفة ليه، الحقيقة الثانية كانت بتوجع أكتر بمراحل.
تليفوني هَز تاني، كنت فاكراه شريف، بس طلعت حماتي ميرفت.
"شاهيناز، أنتي فين من الصبح؟ شريف عليه ضغط كبير في الشغل، الست الأصيلة هي اللي تقف جنب جوزها وتريحه.
فضلت باصة للكلمات دي لحد ما فيه حاجة جوايا هديت تماماً.. زي هدوء ما قبل العاصفة.
الست الأصيلة..
أنا ياما كنت ست أصيلة. ياما استقبلت عملائه، وشلت دوا أمه، وكويت قمصانه، وظبطت مواعيده، واتبرعت للجمعيات الخيرية اللي بيستغلها عشان المنظرة والشو الإعلامي، وياما ابتسمت في عشا مجلس الإدارة، وفوق كل ده.. الفلوس والورث اللي بابا سابهولي، حطيته في الشركة اللي شريف بيكبر فيها دلوقتي ويقول عليها إمبراطوريته.
وأنا أخدت إيه في الآخر؟
ملف مستشفى.
صورة في التليفون.
وزوجة ثانية شايلة عيل ممكن يورث كل حاجة أنا شقيت عشان تتبني.
كتبت لها ورديت: "عندك حق يا طنط. الست الأصيلة لازم تقف جنب جوزها. والنهاردة، أنا هقف جنب نفسي."
قفلت التليفون خالص، دورت العربية، وطرت على أغلى وأكبر أوتيل ومحلات براندات في وسط البلد.
لو حياتي هتنتهي قريب، فأنا برفض تماماً إني أموت وأنا لابس هدوم ست عاشت وماتت في ضل راجل..
حكايات شروق خالد
دخلت المحل وأنا حاسة إن كل خطوة بخطيها بتديني قوة مكنتش أعرف إنها جوايا. اشتريت فستان أسود شيك جداً، وجزمة بكعب، ونظارة شمس مخبية وراها كل التعب اللي في عيني. دخلت البيوتي سنتر اللي جنب المحل، قصيت شعري قصة جريئة، وعملت ميكب يليق بوشي اللي بقالي سنين هجرية. لما بصيت لنفسي في المراية،