غلطة معمل حكايات شروق خالد
حجزت أوضة في أوتيل خمس نجوم بيطل على النيل، وطلعت قعدت في البلكونة. فتحت تليفوني، لقيت مكالمات ورسايل قد كده من شريف ومن أمه.
رسايل شريف كلها كانت من نوعية: "أنتي فين؟" و"هو ده الإهمال اللي متعود عليه منك؟"
كتبت رسالة واحدة للمحامي بتاعي، الأستاذ نبيل، وهو صديق عمري وعارف كل دبة نملة في حياتي: "أستاذ نبيل، عاوزه أقابلك الصبح في مكتبك.. معايا ورق السرطان، وصورة خيانة شريف، والتوكيل العام اللي كنت عاملاه له للشركة عاوزة ألغيه فوراُ."
تاني يوم الصبح، رحت للمحامي. أول ما شافني تنح وقال: "شاهيناز؟ إيه اللوك ده؟ وإيه الوش اللي منور ده؟"
قعدت وحطيت ورقة المستشفى على مكتبه وقلت ببرود: "ده اشتباه سرطان معدة يا نبيل.. بس سيبك من ده دلوقتي، شوف المصيبة التانية."
وريت له الصورة.
نبيل وشه جاب مية لون، وضغط على سنانه: "الندل.. واقفلها في المستشفى؟"
قلت له: "أنا مش هعيش دور الضحية يا نبيل. هو فاكر إن البت دي حامل منه، وعشان كده هيطلقني ويورثها كل حاجة.. أنا عاوزه حقي، فلوس أبويا اللي في الشركة، والفيلا، وكل قرش دخل باسمه من ورايا."
نبيل ابتسم ابتسامة خبيثة وقالي: "طب خدي المفاجأة دي بقى.. شريف كلمني الصبح يسألني لو ينفع يعمل حصر لأملاكك عشان كان ناوي ينقل جزء من الأسهم باسم أمه."
ضحكت وقلت: "يلحق ينقل بقى قبل ما الحنفية تقفل."
بدأنا التحرك.. لغينا التوكيل في الشهر العقاري، ورفعنا قضية فض شركة واسترداد أموال الورث، وطبعاً قضية طلاق للضرر ومعاها صورة المستشفى.
بعد يومين، شريف رجع البيت ملعوب.. لقى البيت فاضي، ولقى إعلان القضايا واصل له على مكتبه. تليفوني رن، وكان هو.
رديت بكل برود: "أيوة
صوته كان زي الرعد، بس رعد خايف: "أنتي إزاي تلغي التوكيل؟ وإيه القضايا دي؟ أنتي اتهبلتي يا شاهيناز؟ وشغل التزوير اللي باعتالي صورته ده إيه؟"
قلت له بصوت واطي ومسموع: "ده مش تزوير يا شريف.. دي صورتك وأنت حاطط إيدك على بطن السكرتيرة بتاعتك في نفس المستشفى اللي أنا كنت بعمل فيها تحاليل السرطان.. الفكرة بقى مش هنا."
سكت ثانية عشان أخليه يتشحتف، وكملت: "الفكرة إنك نسيت حاجة مهمة أوي وأنت رايح تعمل معجزة حياتك.. أنت نسيت تقرير العقم بتاعك اللي عندي في الخزنة من خمس سنين، التقرير اللي الدكتور قايل فيه إن نسبة الخلفة عندك صفر في المية.. روح بقى اسأل المحروسة، العيل اللي بطنها ده ابن مين في الشركة!"
سمعت صوت نفس شريف وهو بيتكتم.. والصدمة شلته تماماً ومبقاش عارف ينطق كلمة واحدة.
حكايات شروق خالد
شريف فضل ساكت على الناحية التانية من الخط، السكوت بتاعه كان زي السكوت اللي بيسبق الانفجار. كنت سامعة صوت نفسه العالي وهو بيحاول يستوعب الكلمة. خمس سنين كاملين وأنا مخبية سر عُقمه عنه وعن أمه، عشان أحمي رجولته وكبريائه قدام نفسه، وكنت مستحملة تلميحات أمه السامة ونظراته المكسورة ليا في الضلمة، على أمل إننا نعالج الموضوع سوا من غير ما نكسر عينه.. والنتيجة؟ إنه راح يدور على "المعجزة" مع واحدة تانية!
فجأة، صوته طلع مخنوق وزي المحششر: "أنتي.. أنتي بتقولي إيه؟ تقرير إيه؟ أنتي بتتبلي عليا عشان تداري على قضاياكي؟"
ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة كلها ثقة وقوة: "أتبلى عليك؟ التقرير الأصلي بختم المستشفى وبإمضاء الدكتور اللي أنت نسيت اسمه معايا في الحفظ والصون.. أنا سيبتك تعيش في الوهم يا شريف، وسيبت
وقبل ما ينطق بكلمة ثانية، قفلت السكة في وشه.
ساعتين بالظبط، والتليفون مابطلش رن من شريف وأمه. لحد ما لقيت رسالة مبعوتة من ياسمين نفسها، السكرتيرة.. كاتبة فيها: "أرجوكي يا مدام شاهيناز ردي عليا، شريف قالب الدنيا والشركة مقلوبة.. في إيه؟"
مسحت الرسالة وأنا ببتسم.. الحرب بدأت تاكل في بعضها جوا بيتهم من غير ما أرفع صباع واحد.
تاني يوم، رحت المستشفى عشان أستلم بقية الفحوصات والعينات اللي الدكتور طلبها بخصوص المعدة. كنت داخلة وأنا رابطة جأشي، ومستعدة لأي خبر.
الدكتور أحمد أول ما دخلت وبص في وشي، ابتسم ابتسامة خفيفة وقالي: "مدام شاهيناز.. أنا عندي ليكي خبرين، واحد هيلخبطك شوية، والتاني هيفرحك جداً."
قعدت وقلت له: "قول يا دكتور، أنا مبقتش أخاف من حاجة."
الدكتور هز راسه وقال: "المعمل كلمني الصبح واعتذروا جداً.. حصل لبط في العينات والأسامي يوم ما جيتي، وتقرير اشتباه الورم الخبيث ده مكنش بتاعك أصلاً، كان لست تانية ربنا يشفيها ويجيرها."
نَفَس طويل خرج من صدري، كأن روحي رجعتلي.. "يعني أنا معنديش سرطان يا دكتور؟"
الدكتور ابتسم: "لأ الحمد لله، معدتك سليمة.. بس التحاليل التانية بتاعتك أظهرت حاجة تانية خالص.. أنتي حامل يا مدام شاهيناز، في الأسبوع الرابع!"
الدنيا لفت بيا.. حامل؟ إزاي وأنا بقالي ١٢ سنة مابخلفش وشريف عنده عقم؟ وفجأة افتكرت.. المعمل غلط في الأسامي والعينات!
بصيت للدكتور بذهول وقلت له: "يا دكتور.. هو ممكن يكون تقرير العقم بتاع جوزي من خمس سنين، اللي طلع من نفس المستشفى دي.. يكون هو كمان كان فيه لبط
الدكتور سكت شوية، ودور في السيستم القديم للمستشفى باسم شريف.. وبعد دقايق وشّه اتقلب وقال بصوت واطي: "فعلاً.. التقرير ده كان طالع في أسبوع كان فيه دمج في السيستم، وفيه قضايا مرفوعة على المعمل القديم بسبب تبديل عينات العقم.. جوزك سليم تماماً يا فندم ومبيخلفش من عيب فيه.. العيب كان لبط معمل!"
خرجت من المستشفى وأنا مش قادرة أقف على رجلي من كتر الضحك والصدمة..
يعني شريف سليم ومبيخلفش.. وأنا حامل منه بجد..
والست التانية اللي حامل.. العيل اللي في بطنها مطلعش ابن شريف، لأن شريف بيخلف عادي!
في نفس اللحظة، تليفوني رن.. كان شريف، صوته كان ميت من العياط والكسرة بعد ما عمل تحليل فوري في معمل تاني وعرف الحقيقة.. عرف إنه سليم، وعرف إن ياسمين مضحوك عليها أو ضاحكة عليه، والعيل مش ابنه!
شريف اتكلم بصوت مرعوب: "شاهيناز.. أنا عرفت كل حاجة.. التقرير الجديد بيقول إني سليم.. يعني ياسمين كانت متبلية عليا.. أنا هطلقها وهرميها في الشارع.. أرجوكي ارجعيلي، أنا هكتبلك الشركة والفيلا وكل حاجة باسمك.. أرجوكي متخربيش بيتنا!"
سندت ضهري على عربيتي، وبصيت للسما وأنا حاطة إيدي على بطني.. الحسابات كلها اتقلبت في ثانية.. والعدل الإلهي جابلي حقي وحق ابني اللي في بطني قبل ما يتولد.
قلت له بكل برود وثقة: "البيت اتخرب خلاص يا شريف.. والشركة والفيلا كده كده هيرجعوا ليا بالقانون وبفلوس ورثي.. أما بخصوص ابنك اللي في بطني، فده هيتربى بعيد عنك وعن قرفك.. طلاقي منك ملوش رجعة.. وأعلى ما في خيلك اركبه."
قفلت السكة، ودورت العربية.. ومشيت وأنا حاسة إن الهوا بريء، والنيل صافي، وحياتي الجديدة بدأت فعلاً.. نضيفة
غلطة معمل
حكايات شروق خالد