ثمن البخل الزائف حكايات شروق خالد
«هو الـ 300 ألف جنيه في الشهر مكانوش مكفيينك؟»
جدتي سألتني السؤال ده وهي واقفة على باب أوضة المستشفى، في الوقت اللي كنت ضامة فيه بنتي اللي لسه مولودة لصدري، ولابسة نفس السويت شيرت الرمادي المبهدل اللي نمت بيه بقالي ليلتين. كم السويت شيرت كان مخربش معصم إيدي. الأوضة كانت ريحتها مطهر، وبلاستيك دافي، ولبن، وصوت المطر كان بيخبط بالراحة على الشباك، وكل ما ممرضة تعدي، عجل السرير الصغير بتاع البنت كان بيزيق زقّة تعبانة.
لثانية واحدة، افتكرت نفسي سمعت غلط.
كنت صاحية بقالي قريباً 40 ساعة، عايمة بين جهاز قياس الضغط، ومحاولات الرضاعة، ومتابعة الممرضات، والصوت الخافت الصغير اللي بنتي بتعمله وهي نايمة. التلفزيون المتعلق كان شغال على برنامج طبخ مفيش حد بيتفرج عليه. وعلى التربيزة اللي جنب السرير، كان في ظرف حساب المستشفى محطوط مقلوب تحت مجلة، لأني كنت فتحته تلات مرات قبل كده، وفي كل مرة كان قلبي بيقع في رجلي من الرقم.
"ليلى" كانت نايمة على صدري، قافه إيدها الصغيرة تحت دقنها، وجسمها كله مكنش أتقل من نسمة هواء.
"إجلال" هانم، جدتي، مبصتش على البنت الأول. بصت عليا أنا. بصت على السويت شيرت المبهدل، والبنطلون اللي ركبه دايبة ومغسولة ميت مرة، وشنطة الهدوم اللي لميتها لنفسي بسرعة لأن "شريف" جوزي قالي إن "مصاريف المستشفيات الزيادة" دي سبوبة بيستغلوا بيها الناس اللي زينا. جدتي لاحظت زبدة الكاكاو الرخيصة اللي جنب كوباية
بعدها خطت خطوة لجوه الأوضة، وسألت تاني، بالراحة وبكل تأنّي: «هو الـ 300 ألف جنيه في الشهر مكانوش مكفيينك؟»
قلتلها وزوري ناشف ومش قادرة أبلع ريقي: «يا تيتة.. أنتِ بتتكلمي عن إيه؟»
إجلال هانم مكنتش ست بتتخض بسهولة. دي الست اللي بنت "مجموعة إجلال للمخازن والعقارات" من مجرد مخزن صغير في المحافظة لشركة قابضة كبيرة ليها أراضي، ومباني طبية، وثلاجات حفظ خضار وفاكهة في تلات محافظات. قعدت قدام وزراء، ورجال أعمال، وبنوك، وناس كانت فاكرة إن الفلوس بتخليها فوق القانون. عمرها ما كانت بتعلي صوتها، لأنها ببساطة مكنتش بتحتاج تعمل كده.
بس في أوضة المستشفى دي، وشها اتقلب.
مش صدمة.. ملامحها جمدت.
هدوءها خلاني أخاف أكتر ملو كانت زعقت. العصبية كانت هتعني إنها بتتفاجأ، بس الهدوء ده كان معناه إنها بدأت ترتب السكاكين والأدلة عشان تدبح.
قالتلي: «أنا بحوّل 300 ألف جنيه في أول يوم عمل من كل شهر من يوم فرحك. كنت فاكراكي متبعة أسلوب حياة بسيط باختيارك. كنت فاكراكي بتحوشي، بتستثمري، بتبني حاجة للمستقبل بتدبير. مكنتش أتخيل أبدًا إني أشوف المنظر ده».
عينيها راحت على الظرف المستخبي.
300 ألف جنيه. كل شهر. من يوم فرحي.
ليلى اتحركت فوق صدري وعملت صوت نونوة صغير. حطيت إيدي على ضهرها
قلتلها: «أنا عمري ما شفت ولا مليم من الفلوس دي».
في لحظات في العمر، الدنيا مابتنفجرش بضجة.. هي يدوب بتتحرك سنتيمتر واحد ناحية الشمال، ومفيش حاجة بترجع مكانها تاني أبداً.
جدتي مصوتتش، ولا خدتني في حضنها تطبطب عليا بشفقة. فتحت الشنطة الجلد بتاعتها، طلعت الموبيل، وطلبت رقم.
أول ما الخط فتح قالت: «يا دينا.. تعاليلي حالا على مستشفى قصر العيني الفرنساوي. هاتي معاكي كل التقارير اللي تقدري تسحبيها في الساعة دي. لأ، مش بكرة.. دلوقتي حالا». سكتت تلات ثواني بتسمع، وعينها منزلتش من على الظرف اللي تحت المجلة: «آه.. حساب مراد. كله بالكامل».
وقلفت السكة.
الساعة التعليق اللي على الحيطة كانت مجيبة 10:17 الصبح. ظرف حساب المستشفى، وورقة إلغاء الغرفة المميزة، والأسورة الورق اللي في إيد ليلى.. كل ده فجأة مابقاش كراكيب، بقى أدلة جنائية.
همستلها: «تيتة.. حساب إيه ده؟»
هنا بس قربت من السرير، وسحبت كرسي المرافق وقعدت. بصت لليلى بجد لأول مرة، والجمود اللي في وشها اختلف وظهرت لمعة حنية دافية.
قالت: «زي القمر.. شبهك».
هزيت راسي، لأني لو فتحت بوقي واتكلمت، كنت هعيط وأصحي البنت.
كملت جدتي: «لما اتجوزتي شريف، أنا عملت حساب تحويل شهري لمصاريف البيت. مكنش صندوق ائتماني مقفول، وده الغلط اللي أنا بندم عليه دلوقتي. تحويل شهري لحساب مخصص لبيتك. قسط شقة، مصاريف
صوابعي ضغطت على البطانية اللي لافة بيها بنتي.
«شريف كان بيقولي إن السيولة ميزنة معاه.. وإن الشغل واقف».
عيني جدتي بقت زي الإسفلت: «قالك كده؟»
«كان بيقولي الصفقات متأخرة. ولازم نشد الحزام لحد ما البيعة الجاية تخلص. وكان بيقولي لازم تبطلي تفكري بأسلوب البنت السينجل اللي بتصرف وخلاص».
التحكم والغل مبيجوش دايماً بوش قاسي وزعيق. في أغلب الأوقات بيجوا في شكل تدبير، وتضحية، ومسؤولية مشتركة. بيطلب منك تبقي عاقلة وبتستحملي، وهو في نفس الوقت بيسحب منك كل اختياراتك في الحياة بالراحة.
إجلال هانم مالتش حاجة، بس السكوت حواليها كان بيقطع زي الموس.
أنا مكنتش قادرة أسكت.. الحقيقة لما بتبدأ تتحرك، بتجر وراها كل حاجة مستخبية. حكيت لها إني نزلت اشتريت شفتات بالليل في صيدلية كبيرة، الأول ليلتين في الأسبوع، وبعدين بقوا تلاتة.. كنت بفضل واقفة على رجلي تحت لمبات الفلورسنت ورجلي ورمة ومنفوخة، وشريف بيقولي "إحنا بنتعلم الناشفية وبنبني نفسنا". حكيت لها إني مبطلتش الشغل ده إلا لما الدكتورة حذرتني من ضغط الدم المرتفع اللي خطر على الجنين.
وقلت والدموع في عيني: «كنت فاكرة إننا محتاجين القرش».
جدتي غمضت عينيها. ولما فتحتها، كانت باينة عجوزة.. مش ضعيفة، عجوزة وهيبة زي الجبال.
سألتني: «كان ليكي صلاحية قد إيه على
«كان معايا الفيزا».