ثمن البخل الزائف حكايات شروق خالد
«والأبلكيشن بتاع البنك على الموبايل؟»
«في الأول كان معايا».
«في الأول؟»
«شريف غير الباسورد، وقال إن في مشكلة أمان في الحساب والبنك طلب تحديث. وقالي هيعملي باسور جديد لما الأمور تستقر والشغل يتظبط».
«الكلام ده من إمتى؟»
بصيت للشباك اللي عليه نقط المطر، وبدأت أحسب لورا.. أحسب حسابات السوبر ماركت بالمليم، ورجلي الورمة، والإهانات الصغيرة اللي كنت بغلفها تحت اسم "الرضا والناشفية". افتكرت نفسي وأنا واقفة في محل الفاكهة وبرجع علبة الفراولة عشان غالية. افتكرت شريف وهو بيبص في الفاتورة وبيسألني لو كانت فيتامينات الحمل المستوردة دي ضرورية ولا المصري الرخيص يكفي. افتكرت إني ائتمنته على الحساب لأن الجواز، في نظري، كان معناه إننا مابنقفلش الأبواب في وش بعض جوه بيتنا.
كنت عاوزه أشيل الخرطوم بتاع المحلول من إيدي وأكلمه في الموبايل أهده. كنت عاوزه أصرخ بأعلى صوتي لحد ما الممرضات يجوا يجروا.
بس معملتش حاجة من دي.
بصيت لبنتي اللي نايمة، وحطيت كف إيدي على ضهرها، وضغطت على صوتي عشان يطلع هادي وميت: «من تمان شهور.. يمكن تسعة».
إيد إجلال هانم ضغطت على الموبيل اللي في حجرها لدرجة إن عروق إيدها برزت وبقت زرقا.
وفجأة، في الممر برة، صوت خطوات سريعة قربت، ووقفت عند باب الأوضة.
الأكرة لفت وباب الأوضة اتفتح.
ولما "دينا" السكرتيرة دخلت وهي شايلة شنطة جلد سودا مكتوب عليها بخط مذهب (حساب مراد للخدمات المالية)، جدتي بصتلي وقالت بصوت خلى ركبي تسيب—ـ
حكايات شروق خالد
«شوفي الورق ده بنفسك يا ندى.. واعرفي النذل اللي
دينا فتحت الشنطة وطلعت كشف حساب بنكي مطبوع ومعتمد من البنك المركزي، وحطته قدامي على السرير. ليلى كانت لسه نايمة على صدري، وإيدي اليمين كانت بترتعش وأنا بمسك الورق البارد.
عيني بدأت تتحرك بين الأرقام.. كشف الحساب كان باسم شريف، بس مش الحساب المشترك بتاعنا اللي مكنش فيه غير كام ألف جنيه.. ده حساب سري ومقفول باسمه هو لوحده في بنك تاني خالص.
الأرقام كانت بتخبط في نفوخي زي المطارق. 300 ألف جنيه كانت بتدخل الحساب ده يوم 1 في كل شهر من حساب جدتي. وفي يوم 2 أو 3 بالكتير، الفلوس كانت بتتحول لحسابات تانية.. حسابات لشركات عقارات، ومعارض عربيات، وحساب باسم والدته!
شريف، اللي كان بيبص في فاتورة الدواء بتاعتي ويقولي "المصري يكفي"، كان شاري شقة تمليك باسمه في التجمع، وعربية زيرو موديل السنة كاتبها باسم أمه، وحساب توفير مقفول فيه ملايين.. الملايين اللي أنا كنت بقف على رجلي بالليل في الصيدلية والدم محبوس في عروقي عشان أحوش منها ألف ولا ألفين جنيه لمصاريف الولادة.
الدموع نشفت في عيني وبقى بدالها نار قايدة. الصدمة كانت أكبر من إني أصرخ أو أعيط.. أنا كنت عايشة مع شحات لابس قناع راجل، بني أدم كان بيموتني بجوع مصطنع وهو بيكبر ويتبغدد من ورا ضهري بفلوس أهلي.
جدتي وقفت، وبصت لرينا وقالت بصوت ملوش رجعة: «اطلبي شريف يا دينا.. قوليله ندى تعبانة في المستشفى ولازم ييجي حالاً». وبعدين بصتلي وقالت: «امسحي الوجع اللي في عينك ده يا ندى.. عيلة "المهدي" مابتتكسرش، والنهاردة هتشوفي
بعد نص ساعة، الباب اتفتح ودخل شريف.
كان داخل ولابس قميص شيك، وفي إيده كيس صغير فيه علبة عصير وجبنة عبور لاند، ووشه فيه علامات الزهق المصطنعة اللي كان دايماً يقابلني بيها. قال وهو بيقفل الباب: «خير يا ندى؟ الممرضة كلمتني وقالتلي إنك تعبانة.. أنا سبت الشغل وجيت، مش هينفع الدلع ده من أولها، احنا ورانا مصاريف ومستشفى...»
كلامه وقف في زوره لما لمح جدتي قاعدة على الكرسي الهزاز في ركن الأوضة، وحاطة رجل على رجل وبتبص له بنظرة تخلي الدم يقف في العروق.
شريف بلع ريقه، والكيس الصغير اللي في إيده اتهز: «إجلال هانم؟ أهلاً وسهلاً.. خطوة عزيزة، منورتيش الشقة ليه؟»
جدتي مشورتلوش حتى يقعد. شاورت بصباعها على كشف الحساب اللي مرمي على السرير وقالت بنبرة هادية ترعب: «الـ 300 ألف بتوع الشهر ده وصلوا يا شريف.. بس تحويل التجمع متعملش ليه؟»
شريف وشه اتقلب مية لون في ثانية. الكيس وقع من إيده على الأرض، وبص للورق وبصلي، وحسيت إن ركبه بدأت تتهز تحت بنطلونه. حاول يبتسم ابتسامة صفرا وقال بصوت مرعوش: «إجلال هانم.. أنتِ فاهمة غلط.. الحساب ده.. ده حساب الشغل والصادرات اللي كنت بكلم حضرتك عنها.. أنا كنت بحوش عشان نعمل مشروع كبير باسم ندى...»
«خرس!»
صوت جدتي مكنش عالي، بس كان فيه هيبة خلت شريف يتسمر مكانه ومينطقش بحرف.
جدتي وقفت وقربت منه لحد ما بقت واقفة قدامه بالظبط، وقالت بصوت زي حد السيف: «أنا مش هضيع وقتي مع أشكال وخِـسّة زيك. الشقة اللي في التجمع، والعربية
شريف بصلي وهو مذهول وبيترجى: «ندى! اتقي الله فيا.. أنا جوزك وأبو بنتك! هتيجي عليا عشان خاطر الفلوس؟ أنا كنت بعمل كل ده عشان مأمن مستقبلك ومستقبل البنت!»
لأول مرة من يوم ما دخلت المستشفى، غطيت ليلى بالراحة، وقمت وقفت على رجلي. سحبت المحلول من إيدي ومهمتنيش نقطة الدم اللي نزلت. قربت منه وبصيت في عينه بكل قرف وقلتله: «الفيتامينات المستوردة كانت غالية يا شريف؟ علبة الفراولة كانت هتبوظ ميزانية البيت؟ وقفتي بالليل في الصيدلية ورجلي منفوخة كانت عشان تأمن مستقبلي؟»
تفيت في وشه وقلتله: «أنت مش جوزي.. أنت حشرة كانت عايشة على دمي.. واحمد ربنا إني مش هسجنك عشان خاطر البنت اللي شايل اسمك دي.. اخلع دبلتك وارميها على الأرض.. واطلع برة حياتنا».
شريف كان بيبص حواليه كأنه فار في مصيدة. دينا فتحت باب الأوضة، وكان واقف برة اتنين من رجال الأمن بتوع شركة جدتي. شريف قلع الدبلة ورماها بإيد بتترعش على الأرض، وخرج وهو بيجري ويستخبى من نظرات الممرضين في الممر.
رميت نفسي في حضن جدتي وبكيت.. بس المرة دي مكنش بكاء كسرة، كان بكاء الروح اللي كانت محبوسة وخرجت للنور. جدتي طبطبت على ضهري وقالت: «مبروك يا قلب تيتة.. الليلة دي انولدتي أنتِ وبنتك من جديد.. ومفيش مخلوق في الدنيا دي هيقدر يمس شعرة منكم تاني».
**ثمن
حكايات شروق خالد