قصه كامله

لمحة نيوز

سابوا جدتي اللي عندها ألزهايمر قدام باب بيتي وقالولي خلاص بقت مسؤوليتك إنتِ. وبينما كانوا ماشيين بعربيتهم وبيطلعوا أعذار، قعدتها وفتحت الشنطة القديمة بتاعتها وبصيت على اللي جواها من غير ما أتكلم... لحد ما همست برقم خزنة في البنك محدش كان يتوقع يسمعه.
اهي جدتك. إحنا تعبنا من رعايتها. يلا بقى اعملي أي حاجة مفيدة في حياتك لأول مرة.
وقفت منى متجمدة مكانها عند باب شقتها في حي النزهة، شعرها لسه مبلول والروب اللي لابساه بالعافية مقفول عليها. قدامها كانت قاعدة جدتها، نظيرة، على كرسي قابل للطي، كأنها هم محدش عايزه.
كانت لابسة بلوفر قديم، وجيبة عليها بقع قهوة، وشبشب فردتين مش شبه بعض.
وراها، خالها سيد ماكلفش نفسه حتى يطفي العربية. ومراته عبير كانت ماسكة الموبايل بإيد، وبتعدل النضارة الشمسية بالإيد التانية، كأن اللي مكسوفة منه مش الست الكبيرة، لكن إنها ضيعت وقتها وجت لحد هنا.
سألت منى وهي حاسة إن نفسها مخنوق
إنتوا عملتوا فيها إيه؟
رد سيد
ولا حاجة. هي كبرت وخرفت. بتتوه، وتصرخ، وتكسر الحاجات. إحنا بعنا بيتها لأن بقى مستحيل نقدر نهتم بيه. فبلاش تعملي نفسك الضحية.
اتسعت عيون منى
إنتوا بعتوا بيت جدتي؟
ضحكت عبير ضحكة كلها سخرية
يا بنتي بقا بطلى دراما .ده ع اساس أنك كنتي بتساعدي بحاجة أصلاً. هي مضت على الورق، وده كل اللي يهم. وبعدين مش إنتِ كنتي حفيدتها المفضلة طول عمرها؟ أهو خدتي الجايزة بتاعتك.
رفعت نظيرة عينيها وهي تايهة وسألت
يا حبيبتي... إحنا روحنا البيت؟
في اللحظة دي، حاجة جوا منى اتكسرت.
كانت نفسها تصرخ، أو تكلم الشرطة، أو تمنعهم يمشوا. لكن جدتها كانت بترتعش زي طفل خايف.
قالت منى
مينفعش تسيبوها كده.
رد سيد ببرود
طبعاً

ينفع. ومتتعبيش نفسك وتدوري علينا. إحنا عندنا حياتنا يا منى. أما إنتِ، فلا عندك جوز ولا عيال، وعندك وقت كتير فاضي.
العربية اتحركت ومشيت قبل ما تلحق ترد.
شنطة نظيرة القديمة كانت مرمية جنب البوابة، نصها مفتوح، وجواها هدوم متسخة، وأدوية ناقصة، وصورة قديمة ليها وهي صغيرة.
الأيام الأولى كانت كابوس صامت.
نظيرة كانت بتصحى نص الليل تصرخ وتقول إن حد بيحاول يسرق حلقها. وبعدها بدقايق تعيط لأنها مش لاقية جوزها، اللي كان متوفي من اتناشر سنة.
أوقات كانت تعرف منى وتمسك إيديها بقوة.
وأوقات تانية كانت تبعدها عنها بخوف وتسأل مين اللي جابها المكان ده.
منى كانت بتشتغل من البيت وبتعمل حلويات وتورتات بالطلب. بالعافية كانت بتكسب اللي يكفي الإيجار والكهربا والأكل.
ومع كده، بدأت تشتري حفاضات للكبار، ومكملات غذائية، وأدوية، وكشاكيل صغيرة كانت بتكتب فيها كل تغير في حالتها، وكل جملة غريبة تقولها، وكل لحظة صفا ذهني قصيرة بتمر بيها.
وفي يوم وهي بتأكلها شوربة فراخ بالرز، بصتلها في عينيها مباشرة.
لأول مرة من أيام، كانت نظرتها صافية.
همست نظيرة
إنتِ عمرك ما حبستيني في الأوضة دي.
حطت منى المعلقة وسألت بسرعة
مين اللي حبسِك هناك يا تيتة؟
رمشت نظيره كأن الذكرى بتضيع منها تاني.
وقالت بصوت واطي
اللي بيبتسموا أحلى ابتسامة... بيعرفوا يسرقوا برضه... المفتاح فى ضهر البراواز المكسور.. خمسة... تمانية... اتنين... واحد...
وبعدين رجعت تبص للحيطة قدامها بشرود، كأنها ضاعت تاني.
في نفس الليلة، وصلت لمنى رسالة من خالها
متدخليش محامين في الموضوع. إنتِ مش فاهمة إنتِ داخلة على إيه.
ساعتها بس أدركت إنهم ما سابوش جدتها ومشوا وبس.
هم كانوا خايفين...
خايفين إنها تفتكر
حاجة.
ولما نظيرة همست وهي بترتعش تحت البطانية
الخزنة 5821... المكان اللي الجرس فيه بيغني...
عرفت منى إنها على وشك تكتشف سر محدش كان ممكن يصدقه.
إنت لو كنت مكان منى، كنت هتسكت عشان تتجنب المشاكل؟ ولا كنت هتقف قدام العيلة كلها عشان تدافع عن جدة الكل تخلى عنها؟
الرسالة كانت واقفة قدام عيناي منى على شاشة الموبايل زي حجر ثقيل، مكتوبة بخط سريع ومش منظم، وكأن اللي كتبها كان خايف حد يشوفه وهو بيكتب متدخليش محامين في الموضوع. إنتِ مش فاهمة إنتِ داخلة على إيه.
قفلت الشاشة ببطء، وبصيت لجدتها اللي كانت نايمة جنبي على السرير الصغير اللي نزلته لها في الصالة، شعرها الأبيض مبعثر على الوسادة، وشفايفها بتتحرك بصوت خافت كأنها بتكلم حد مش موجود. كنت عايزة أصرخ، أسألها كل حاجة من أول وجديد، لكن عرفت إن اللحظة الصافية دي ممكن تختفي في أي لحظة، وإن كلمة زيادة ممكن تضيعها مني لشهور تانية.
قمت من مكاني بهدوء، رحت للمطبخ، وشربت كوب ماء بارد، لكن الحرقان في بطني ما راحش. كنت عارفة إن خالي سيد ومراته عبير مش خايفين من إن جدتي تطلب تعويض عن البيت اللي باعوه غصب عنها لا، ده كان مجرد غطاء. هم خايفين من حاجة أكبر، حاجة كانت مخبية جواها، حاجة لسه ما سمعهاش غيري.
رجعت للشنطة القديمة اللي كانت مرمية جنب الباب من يوم ما جابوها، اللي ما كملتش فتحها من ساعتها خوفاً من أجد حاجة توجع قلبي. قعدتها على الأرض، وبدأت أفرغ محتوياتها واحدة واحدة ببطء، كأن كل قطعة جواها ممكن تكون مفتاح لسر عمره ما كان يطلع.
كان فيها ملابس قديمة لجدتي، مغسولة ومطوية بعناية لكن ريحتها قديمة وممزوجة برائحة الدواء؛ علبة أدوية ناقصة منها النص، ومكتوب عليها أسماء ما عرفتش معناها؛
صورة قديمة جداً ليها ولجدي عبد الحليم، وهم واقفين قدام بيت صغير من الطوب الأحمر، ابتسامة جدتي فيها أوسع وأجمل من أي ابتسامة شفتها عليها في السنين الأخيرة؛ وبعدين، في القاع، وجدت دفتر صغير بغلاف جلدي بني، حوافه مكسرة ومبقعة ببقع سوداء ما عرفتش إيه هي.
فتحت الدفتر بحرص، ووجدت إنها كانت بتكتب فيه بخط يديها الدقيق المنظم، من زمن ما كانت عقلها صافي، من عشرات السنين. الصفحات الأولى كانت كلام عادي تسجيل لمواعيد الزراعة في الحديقة بتاعة البيت، أسعار الخضار، مواليد الأقارب، وفاة أبوها. لكن لما وصلت لصفحات من سنة ٢٠١٢، السنة اللي مات فيها جدي، الكلام اتغير، صار أصغر، وأكثر تردداً، وبين كل سطر والتاني فراغات كبيرة كأنها كانت بتخاف تكتبه.
عبد الحليم قال لي قبل ما يموت ما تثقش في حد غيرك. حتى لو كان لحمك ودمك. اللي بيجي وراء الفلوس بيبص ليك عدو، مهما كنتِ قريبة منه.
سيد جالي النهاردة، قال لي عايز يساعدني في أمور البنك. قلت له مش محتاجة، عبد الحليم ساب لي كل حاجة مرتبة. ضحك وقال لي يا تيتة إنتِ مش عارفة تتعاملي مع الناس دول. قلت له أنا عشت معاهم أكتر من عمرك كله.
عبير بتقول لي كل يوم البيت ده كبير عليكِ، كله تعب ومصاريف، بيعيه واقعدي معانا في الشقة الجديدة. قلت لها البيت ده مش مجرد حيطان. قالت لي والفلوس اللي جواه مش بتاكل ولا بتشرب.
عبد الحليم خبأ حاجة لما كان شغال في التجارة زمان، قال لي إنها مش لنا وحدنا، إنها للي يستحقها، وإن نحفظها لحد ما يجي وقتها. المفتاح في ضهر البراواز المكسور. الرقم خمسة تمانية اتنين واحد. الخزنة في البنك القديم بشارع المعز.
وقفت القراءة هنا، وقلبي كان بيدق لدرجة كنت حاسة إن الحيطان بتسمعه. البنك
القديم بشارع المعز ده كان البنك اللي كان
 

تم نسخ الرابط