قصه كامله

لمحة نيوز


ولاد العم اللي لنا حق فيها.
جدتي قرت الرسالة، وارتجفت، لكنها مسكت إيدي وقالت
ما تخافيش يا بنتي. عبد الحليم كان معانا، والحق معانا. واللي بيدور على مال الغير بيتعب في الآخرة قبل الدنيا.
بدأت البحث عن سمية من العنوان اللي كان مكتوب في الأوراق، وطلبت مساعدة من أهل الخير، ومن الأشخاص اللي كانوا يعرفوا رمضان زمان، وحتى من موظفين البلديات والشرطة عشان أتأكد من العناوين والملفات. ومرت الأسابيع، والبحث كان صعب، وكنت كل يوم أجد أملاً ويفوت، لحد ما جاني خبر من راجل عجوز كان صديق لرمضان، قال لي إن سمية كانت تعيش في مدينة المنصورة، وإنها تزوجت وسكنت هناك، وإن عندها بنت اسمها سلوى.
سافرت للمنصورة في اليوم التالي، ومعايا كل الأوراق، ووجدت بيت سمية بسهولة. لما فتحت الباب، شفت ست في نفس عمري تقريباً، بتبص لي بدهشة، وقالت لي
أهلاً يا بنتي، تفضلي. إنتِ مين؟
قلت لها
اسمي منى المنشاوي. وجيتك من طرف عبد الحليم المنشاوي، صديق والدك رمضان.
لما سمعت اسم والدها، عيونها ملأت دموع، وسحبتني لجوا البيت، وقالت لي
بابا مات وأنا صغيرة، وما عرفتش عنه حاجة غير إنه كان مسافر ليرد الحقوق للناس. وبابا عبد الحليم؟ كان دايماً بيقول لي إن فيه راجل شريف بيحفظ لنا حقنا.
جلست معاها، وقلت لها كل الحكاية من أولها لآخرها، وريتها الأوراق والملكيات، وقلت لها إن كل ده ملكها وحدها. كانت تبكي طول الوقت، وقالت لي
كنت محتاجة الفلوس دي كتير يا منى. بنتي سلوى مريضة

بمرض نادر، ومحتاجة لعلاج غالي جداً، وما كان معانا قدرة ندفع التكاليف. وكل ما كنت بدعي ربنا يفرجها، ما كنتش عارفة إن الفرج جاي من طريق كده.
في الأيام التالية، ساعدتها في استلام كل ما هو ملكها، ودفعت تكاليف العلاج لبناتها، وحتى خصصت جزء من الفلوس لبناء مستوصف خيري في المنطقة اللي كانت عايشة فيها، تكريماً لوالدها ولجدتي ولجدي.

الجزء الثالث العودة للحق
لما سمع سيد بكل اللي حصل، غضبه وصل لأقصاه، وجاء مع عبير وعيلته كلهم لبيت سمية، وبدأوا يصرخوا ويقولوا إن لهم نصيب في الفلوس، وإنني سرقت حقهم، وإن الحكاية دي مش صحيحة.
كانت الجيران بتتجمع حولهم، وسمية كانت عايزة تضيع وتخاف، لكن مسكت إيدها وقلت لها
متخافيش، الحق واضح، والكل شاف الأوراق والشهادات.
طلبت منهم نروح لمكتب المحامي مع بعض، وعرضت عليهم كل الأدلة شهادات الأصدقاء، أوراق البنك، سجلات الملكية، وحتى شهادة الموظف كمال والمحامي اللي كان معانا في البنك. وقلت لهم بصرامة
جدتي ما سبتلكم حاجة؟ البيت اللي باعوه بفلوسها؟ ده كله حقكم لو كان الحق معاكم، لكن الفلوس دي مش لنا، دي أمانة، وكل واحد ياخد حقه فقط.
سيد وعبير كانوا واضحين إنهم خسروا، وإن ما عندهمش أي دليل يدعم كلامهم، وبدأت نظرات الناس تتغير لهم، وكل واحد كان بيقول لهم عارفينكم طماعين! كيف تطلبوا حق مش لكم؟ راجل شريف حفظ الأمانة عشرات السنين، وانتوا بتجوا تطلبوا مال الغير؟
في النهاية، سيد خجل من نفسه، واختفى نظرة الطمع
من عينيه، وقال بصوت منخفض مليء بالندم
سامحيني يا منى. وسامحيني يا تيتة. كنت عمياني من الطمع، ونسيت إن العيلة لازم تكون مع بعض، وإن الحق أسمى من كل حاجة.
بعدين راح لجدتي اللي كانت جالسة جنبي، وقبل إيدها، ودموعه نزلت
سامحيني يا تيتة اللي تخليت عنك. كنت غلطان، ومش عارف كيف أتعوضك.
جدتي مسحت دموعه بإيدها اللي كانت بترتعش، وابتسمت
السماح من الله يا بني. المهم إنك رجعت لصوابك، وإنك عرفت إن الفلوس ما تسوى شيء بلا شرف ولا عيلة.
بعد كده، قررت سيد وعبير يبيعوا الشقة اللي اشتروها بفلوس بيت جدتي، ويردوا الجزء الأكبر منها لجدتي، وقالوا لها
ده حقك، وإن شاء الله نعوضك عن كل ما صار لك.
جدتي قبلت الفلوس، لكنها قالت
الفلوس دي مش مهمة. المهم إنكم رجعتوا ليا، وإننا رجعنا عيلة واحدة تاني. وهستخدم الفلوس دي نكمل بناء المستوصف، ونساعد المحتاجين، ونعوض عن كل ما فات.

الجزء الرابع الحكاية ما انتهتش
مرت شهور، وحالة جدتي تحسنت كتير. لما شافت إن العيلة اتجمعت تاني، وإن الحق رجع لمكانه، بدأت اللحظات الصافية تزيد، وبدأت تروح وتيجي معانا، وتحكي لنا حكايات زمان، وكيف كانت الدنيا أحلى لما كان الناس بتثق في بعض.
سيد وعبير بدأوا يعملوا خير، وساعدوا في إدارة المستوصف، وبدأت عبير تتعلم من جدتي كيف تطبخ الحلويات زي ما كانت بتعملها، وحتى ساعدوني في تطوير مشروعي للحلويات، واشترينا محل صغير باسمنا كلنا حلويات نظيرة ومنى.
وكانت سلوى بنت سمية تتعالج وتتحسن
كل يوم، وبدأت تمشي وتلعب، وكانت كل ما تشوف جدتي تجري لها وتقول لها تيته نظيرة، وكأنها عرفت إنها جدة للكل.
في يوم من الأيام، كنت قاعدة مع جدتي في حديقة المستوصف اللي بنيناها، وبصيت للناس اللي بيجوا ويجوا، وكيف كانوا بيشكروا لنا، وقلت لها
تيته، لو كنت سكت من أول يوم، ما كنتش وصلنا لهنا، وما كنتش عرفنا الحقيقة كلها.
ابتسمت ومسكت إيدي
أحياناً الصمت بيكون خيانة يا بنتي. خيانة لنفسك، وللي بيحبوك، وللحق اللي لازم يظهر. عبد الحليم كان عارف إنك هتكوني قوية كده، وإنك هتقفي في وجه العاصفة عشان الحق. والدنيا ما بتبقاش جميلة إلا لو كل واحد بيقف مع الحق، مهما كان الثمن.
وبعدين همست بصوت خافت
وعبد الحليم كان بيقول كمان الخير اللي تعمله النهاردة، بيجيلك بعد سنين من حيث ما تتوقعش.
وبالفعل، الخير اللي عملته، والصدق اللي كنت أمشيه، رجع لي بأكتر مما كنت أتمنى. رجعت لي العيلة اللي كنت فاقدتها، ورجعت لي السكينة اللي ما كنت حاسة بيها، وعرفت إن مهما كان الطريق صعب، ومهما كان الكل ضدك، لو كنت مع الحق، فالله معاك، والحق لازم يظهر في النهاية.
وحتى اليوم، ما زلت أحتفظ بالدفتر القديم بتاع جدتي، وبالرسالة اللي كتبها جدي، وأقرأهم كل فترة، عشان ما أنسش أبداً إن العيلة مش بالدم بس، إنها بالوفاء والصدق، وإن الأمانة هي أغلى ما يملكه الإنسان، وإنك مهما حاولت تسرق حق الغير أو تدفن الحقيقة، فالخزنة بتاعتها مهما طالت السنين، لسه بتفتح، والرقم بتاعها
لسه بيتقال، والحق لسه بيرجع لمكانه.

 

تم نسخ الرابط