قصه مشوقه
بجد، رميت آخر كارت معايا وقلت لها بنبرة رجاء مشاري بكسرة أنا مستعد أطلق مرام يا مهره! هطردها برة البيت حالا وترجعيلي إنتي ست الكل، بس بلاش موضوع الطلاق والخلع ده، أنا شاريها ومستعد أعمل أي حاجة عشان نرجع.
ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة وجعتني أكتر من صراخها، وقالت تطلق مرام؟ وتطردها زي ما كنت مستقوي بوجودها عليا؟ إنت مابتتغيرش يا رمزي.. أنا مش عايزة خراب بيوت لحد، ومش عايزة منك أي حاجة، لا مؤخر ولا نفقة ولا حتى قشّاية من بيتك، أنا عايزة حريتي وبس.. والباب اللي قفلته في وشي، المحكمة هتفتحهولي. قفلت السكة في وشي قبل ما أنطق.
افتكرتها بتهدد، وافتكرت إن قضايا المحاكم بتاخد سنين وأنها هتزهق وترجع لملاذها الوحيد. بس مهره كانت مرتبة كل خطوة؛ اتفاجئت بإعلان القض..ية، وفي كل جلسة كانت بتثبت للقاضي إنها بايعة كل حاجة ومتنازلة عن كل حقوقها المادية في مقابل حريتها.
وفعلاً، مفيش شهور قليلة، وصدر الحكم.. كسبت قض..ية الخلع.
يوم ما استلمت الصيغة التنفيذية للحكم، بصيت لصباعي الفاضي.. حسيت إن صباعي نفسه هو اللي اتقطع مش الخاتم اللي طلع. مهره مخلعتش الخاتم بس، دي خلعتني أنا شخصياً من حياتها بالكامل، وسابتني مع مرام في بيت مابقاش فيه غير الندم وصوت صدى حيطانه الفاضية.
بعد ما حكم الخلع صدر، البيت اتقلب لزنزانة حقيقية.
بقيت شايف إن مرام ودلعها الزايد والمستفز، وضغطها عليا في كل موقف، هما السبب الأساسي في إن مهره تضيع مني وتسيبني. الغل كان بيكبر جوايا ناحيتها يوم بعد يوم، وكنت بحملها ذنب بيتي اللي اتخرب وحياتي اللي اتهدت. وهي مكنتش بتسكت، بدأت تحس بنفوري وبقت عصبية وتزن وتصرخ لمجرد إنها تفرض وجودها بالعافية.
وفي ليلة، قامت بينا خناقة من أتعس خناقات حياتنا. كانت واقفة بتزعق وتطالب بحقوق وتعاتبني على برودي معاها، وصوتها كان بيعلى ويعمل صدى في الحيطان الفاضية. الصوت ده فجأة قلب في دماغي شريط الذكريات كله.. افتكرت مهره وهي واقفة في المطبخ بتنزف في سكات، وافتكرت نظرتها الأخيرة ليا قبل ما تمشي.
فقدت السيطرة على نفسي تماماً. الغضب العميق والندم القاتل اللي كنت كاتمهم جوة صدري اتحولوا لكتلة من الغل، وطلعتهم كلهم على مرام. نزلت فيها ضرب جنوني، مكنتش شايف قدامي ولا سامع صراخها واستنجادها. كنت بضربها وكأني بضرب حظي، وبضرب الغرور اللي عماني.
الخناقة انتهت ومرام مرمية على الأرض بتصرخ من الوجع ومش قادرة تاخد
وأنا واقف في طرقة المستشفى بالليل، وبصيت لإيديا الاتنين، حسيت بقرف رهيب من نفسي. الراجل اللي كان فاكر إن السيطرة بتخليه ملك، بقى مجرد وحش مكسور.. خسر الإنسانة اللي صانته في سكات، ودمر بإيده الست اللي اختارها عشان يكيد بيها الأولى، ومبقاش فاضل له غير الندم والخراب
عدت سنة.. سنة كاملة وأنا عايش في بيت عامل زي المقبرة. طلقت مرام بعد ما دفعتلها تعويض وتكاليف علاجها، ومبقاش ليها أي أثر في حياتي غير ذكرى سودا وذنب تقيل. البيت فضي عليا، وكل ركن فيه كان بيصرخ باسم مهره، وبيفكرني باللي عملته فيها.
مبقاش عندي شغل شاغل غير إني أرجعها. بقيت أروحلها كل يوم تحت العمارة اللي مأجرة فيها شقتها. أقف بالساعات، أستناها وهي راجعة من شغلها، أترجاها، أعتذر، أتحايل عليها ترجعلي وأصلح كل اللي فات.. بس كانت بتبصلي بجمود. مفيش غضب، مفيش عتاب، مفيش حتى كره.. كان فيه لا مبالاة بتدبح. كل مرة كانت بترد عليا بنفس النبرة الهادية الباردة اللي اتكسر ملوش دية يا رمزي.. وفر مجهودك، طريقي مابقاش طريقك.
كنت بكدب نفسي، وأقول مسيرها تلين، مسير الأيام ترجعها ليا لما تلاقي نفسها وحيدة في الدنيا. لحد ما جه اليوم اللي رحت فيه كالعادة، ووقفت أستناها
شفتها جاية من بعيد، بس مكنتش لوحدها. كان معاها راجل تاني.
وقفت مكاني متسمر، عيني مبرقة ومش قادر أصدق اللي شايفه. شفتهم وهم بيقربوا.. شفت الراجل ده بيفتح لها باب العمارة بإيده، وبيشيل عنها الشنط وهو بيضحك معاها بحنية الدنيا كلها.
شفت مهره.. مهره اللي كانت بتنكمش في ركن الصالة وهي خايفة من صوتي، واللي كانت بتخدم في سكات وعينيها في الأرض.. شفتها بتضحك من قلبها، وشها منور، ونظرة عينيها مليانة أمان، متدلعة بجد، دلع عمري ما شفته فيها ولا فكرت في يوم أديهولها. شفت الراجل ده بيميل عليها يعدل لها طرحتها بخوف واهتمام حقيقي، وهي بتبصله بنظرة رضا وحب خلت قلبي يعتصر من القهر.
أنا اللي كنت مستقوي بقلة حيلتها، شفتها متسندة على ضهر راجل تاني بيعاملها كأنها أغلى حاجة في حياته.
في اللحظة دي بس، عرفت إني خسرت للأبد. الخاتم اللي كنت بتباهى بيه وفاكره مش هيخرج من صباعي، لبسه غيري.. بس مالبسوش عشان يخنقها ويحبسها بيه، لبسهولها عشان يتوجها بيه ملكة على حياته. لفيت ضهري ومشيت في الشارع وأنا بجر خيبتي، وعرفت إن العقاب الحقيقي مش إنها سابتني.. العقاب الحقيقي إني هعيش طول عمري فاكر ضحكتها اللي نورت مع غيري، لأن أنا اللي بغبائي وغروري اخترت أطفيها.
تمت امانى سيد