قصه مشوقه

لمحة نيوز


ولا أهرب من اللي جواه للأبد؟إيدي فضلت معلّقة في الهوا فوق الظرف.
مش قادرة أمدها… ومش قادرة أسحبها.
كأن اللحظة دي مش اختيار… دي سقوط.
الست قالت بهدوء: “محدش هيجبرك… بس ده حقك تعرفي.”
نظرت للبنت الصغيرة… كانت بتبص لي بخوف حقيقي، مش خوف مني… خوف من الحقيقة نفسها.
مددت إيدي أخيرًا.
مسكت الظرف.
كان تقيل بشكل غريب… كأن فيه حياة كاملة جوّه مش ورق بس.
فتحته بإيد بترتعش.
طلع منه ورقين… وصورة.
أول حاجة مسكتها كانت الصورة.
جمال.
بس مش جمال اللي أعرفه.
كان واقف في نفس المزرعة… لكن حوالينه الأطفال دول… والست دي… وبيضحك.
ضحكة عمري ما شفتهاش.
ضحكة مختلفة… خفيفة… حقيقية.
رجلي خدتني ووقعت قعدة على الأرض.
“ده مش هو…” همست.
الست قالت: “ده هو… بس معانا.”
سكتت لحظة، وبعدين كملت: “إنتي عرفتيه كراجل حسابات… وروتين… وبيت مقفول.” “بس هنا… كان أب.”
الكلمة دي خبطت في صدري.
“أب؟”
فتحت الورق التاني.
كان عقد… مكتوب فيه تفاصيل ما قدرتش أركز فيها في الأول…

لحد ما عيني وقعت على سطر واحد:
"إقرار نسب وأبوة قانوني لثلاثة أطفال."
الدنيا اسودت حواليّا.
حسّيت إني بقرأ حاجة مش من حياتي… كأنها حياة حد تاني.
بصيت لهم واحدة واحدة.
“يبقى… دول… أولاده؟”
البنت هزّت راسها ببطء.
“وأنا أكبرهم.”
سكتت ثانية… وبعدين قالت جملة أخيرة بصوت مكسور:
“وأنتي… كنتي الزوجة اللي كان بيهرب لها لما الدنيا هنا كانت بتتقفل عليه.”
رفعت عيني ليها بسرعة.
“بيهرب؟!”
الست دخلت في الكلام: “جمال ماكانش عايش كدبة… كان عايش ضغط.” “كان خايف من عيلتين يتهدوا فوق بعض لو الحقيقة ظهرت.”
قفلت عيني غصب عني.
حسّيت فجأة إن كل ذكرياتي بتتفكك… القُبلات على الجبهة… "رايح المزرعة"... الصمت… الوعد اللي خلتني أعيش بيه سنين.
طلعت جملة مني بدون ما أفكر: “يعني… كان بيحب مين؟”
سكتوا كلهم.
مفيش إجابة.
لحد ما البنت قالت بهدوء: “كان بيحاول يحبنا كلنا… بس من غير ما يوجع حد.”
وفي اللحظة دي…
سمعت صوت حاجة بتتكسر في الأوضة اللي فوق.
كأن البيت
نفسه بيرد علينا… مش بس إحنا اللي بنتكلم.
الست رفعت راسها فجأة وقالت: “في حاجة ما قلتهاش لكش…”
وقفت ببطء… وبصّت لي نظرة طويلة وقالت:
“جمال ما ماتش حادثة صدفة.”
قلبي وقع تاني.
“إيه؟”“جمال ما ماتش حادثة صدفة.”
الجملة وقعت زي طلقة في وسط السكون.
قفلت عيني غصب عني، وحسّيت الأرض بتلف بيا.
“إنتي بتقولي إيه؟” صوتي طلع مكسور.
الست وقفت قدامي، وعيونها فيها خوف أكتر مني دلوقتي.
“قبل الحادثة بأسبوع… كان متوتر. كان عارف إن في حد بيهدده… حد عايز يفضح كل حاجة.”
البنت الصغيرة مسكت إيد أمها وفضلت تبكي من غير صوت.
“مين؟!” صرخت وأنا واقفة.
“مين اللي قتله؟!”
سكتوا.
وبعدين الست قالت بصوت واطي: “مش شخص واحد… هو كان عايش كدبتين… ولما الكدبتين تقابلوا… هو وقع في النص.”
سكتت لحظة، وبعدين كملت: “العربية اتفحصت… في شبهة تلاعب في الفرامل… بس الموضوع اتقفل بسرعة بعد ما اتدفن.”
حسّيت إن جسمي كله بيتهز.
“يعني… اتقتل؟”
محدش رد.
بس الصمت كان الإجابة.
في
اللحظة دي، صوت خطوات على السلم رجع يرن تاني… نفس الخطوات اللي سمعتها أول ما دخلت.
بس المرة دي… كانت أوضح.
كلنا بصينا لفوق.
الست همست: “هو كان قال… إنه لو حصل له حاجة… هدى لازم تكون أول واحدة تعرف الحقيقة.”
قفلت الظرف بإيدي.
“أنا؟ ليه أنا؟!”
ردت بهدوء مؤلم: “عشان إنتي كنتي الجزء الآمن الوحيد في حياته… الجزء اللي ماكانش فيه كذب مباشر.”
وقبل ما أرد…
باب فوق اتفتح ببطء.
ظلّ ظهر في آخر السلم.
ظل راجل.
واقف ساكت.
مش بيقرب.
بس وجوده لوحده خلّى قلبي يوقف.
البنت صرخت: “بابا!”
وفي اللحظة دي…
فهمت الحقيقة كلها من غير ما حد يتكلم.
جمال ماكنش عنده حياة سرية واحدة.
كان عنده عالمين… وكل عالم شايف التاني خطر.
والمزرعة… كانت مكان التقاطع اللي ماكانش مفروض يحصل.
الظل بدأ ينزل خطوة… خطوة…
وأنا واقفة في النص، بين الحقيقة اللي اتولدت بعد موته… وبين حياة 15 سنة ماتت قبل الحقيقة.
لحد ما قال بصوت هادي من فوق السلم:
“هدى… لازم أتكلم معاكي.”
سكت لحظة…
وبعدين
قال الجملة الأخيرة اللي أقفلت كل شيء:
“أنا كنت شريك جمال في كل حاجة… حتى في موته.”

تم نسخ الرابط