“حين استعاد الصمت صوته” شروق خالد

لمحة نيوز

البحر الحقيقي اللي شفته لأول مرة من غير ضباب
الموج كان بيرجع وييجي كأنه بيغسل سنين كاملة
سنين سكوت
وسنين ظلم اتبنى واحدة واحدة
موبايلّي رن
محامي قال إن كل الأصول هترجع تحت اسمي بالكامل
وإن في إجراءات حماية قانونية هتتعمل ليا
قفلت المكالمة من غير ما أرد
مش لأني مش مهتمة
لكن لأن لأول مرة ماكنتش عايزة أسمع أرقام ولا أوراق
كنت عايزة أسمع نفسي
بصيت على البيت اللي ورايا
البيت اللي كان رمز للسيطرة والتحكم
ودلوقتي بقي مجرد مكان اتكشف فيه كل حاجة
ومشيت على رملة البحر بهدوء
مش راجعة لورا
ولا مستنية حاجة تانية
بس مكملة لأول مرة من غير ما حد يحدد مكاني في حياته
بعد أيام قليلة
البيت اللي على البحر بقى هادي بشكل غريب
ناديا كانت محبوسة على ذمة التحقيق
والأوراق كلها اتفتحت واحدة واحدة
وكل ما التحقيق يتعمق أكتر، الصورة كانت بتبقى أوضح
سنين من التلاعب والسرقة والتمثيل الهادئ
وأبويا كان قاعد معايا في أوضة المعيشة لأول مرة من سنين من غير توتر
قال بصوت هادي
أنا عمري ما تخيلت إن كل ده كان بيحصل قدامي وأنا مش شايف
سكت لحظة وبعدين كمل
أنا ضيعت سنين بسبب ثقتي الغلط
بصيت له وقلت
اللي حصل حصل المهم اللي جاي
سارة بقت تبعتلي رسائل كل فترة
مش طلب فلوس ولا كلام
بس أسئلة
إزاي أبدأ من جديد؟
إزاي أرجع أثق في نفسي؟

وكنت برد عليها بجمل بسيطة
من غير ما أدخلها في وجع أكتر من اللي هي فيه
في يوم، وقفت على نفس التراس
نفس المكان اللي كنت فيه يوم ما اشتريت البيت لأول مرة
بس المرة دي ماكنش فيه حد بيملي عليا مكان أقعد فيه أو أعمل ايه
الهوا كان ساكن
والموج بيضرب الصخور بهدوء
افتكرت كل حاجة
الصمت
الاستغلال
السنين اللي اتسحبت مني واحدة واحدة من غير ما حد يحس
بس لأول مرة ماكنش في جوايا غضب
كان في وضوح
أنا ما خدتش حاجة من حد
أنا بس رجعت حقي
قفلت عيني لحظة
ولما فتحتهم كنت قررت حاجة واحدة
إن حياتي اللي جاية
مش هتتكتب في ظل أي حد تاني
ولا هتتدار ورا ستائر
ولا هتتسحب مني بكلمة ناعمة تاني
اللي جاي
هيبقى اسمي أنا بس
بعد شهور
الأمور بدأت تهدى رسميًا في القضايا
الأدلة كانت واضحة، وناديا اتحكم عليها في النهاية بأحكام مالية وسجن على خلفية التزوير والاختلاس
مشهد سقوطها كان صادم للناس اللي كانوا شايفينها ست خيرية مثالية
بس أنا ما رحتش أتابع المحاكم
ولا حضرت لحظة النطق بالحكم
كنت في مكان تاني خالص
رجعت أبني شغلي من جديد
مش لأن اللي راح اتدمر
لكن لأنّي فهمت حاجة أهم
إن السيطرة الحقيقية مش في إنك تاخد حقك مرة واحدة
السيطرة إنك ما تسمحش يتاخد منك تاني
البيت على البحر فضل زي ما هو
بس اتغير إحساسه
بقى بيتي أنا فعلاً
مش ساحة
صراع
أبويا بدأ يحاول يعوض السنين اللي فاتت
مش بكلام كبير
لكن بحضور هادي
قعدنا نتكلم أكتر
نفهم بعض أكتر
من غير أقنعة
وفي مرة قالي
أنا فخور بيكي مش عشان انتقمتي عشان ما بقيتيش زي اللي أذوكي
الكلام ده ما كانش سهل عليا
بس كان حقيقي
سارة كملت طريقها بعيد عن أي حاجة تخص العيلة
بدأت دراسة جديدة في إدارة الأعمال
وقالتلي مرة
أنا مش عايزة أعيش في ظل حد تاني تاني
ابتسمت وقتها
لأن دي كانت أول مرة أشوف حد بيكسر نفس الدائرة اللي أنا خرجت منها
وفي ليلة هادية
قعدت لوحدي على التراس
نفس البحر
نفس الموج
بس أنا مختلفة
مش لأن الدنيا بقت أسهل
لكن لأنني بقيت أنا اللي بتقرر
وقتها فهمت إن القصة دي ماكنتش عن بيت
ولا ورق
ولا فلوس
كانت عن صوت واحد
اتسكت سنين طويلة
وبعدين قرر أخيرًا إنه يتسمع
بعد فترة طويلة
الحياة بدأت تاخد شكل أبسط وأهدى مما كنت متخيلة
الشغل استقر
والمشاريع اللي بنيتها رجعت تكبر بس المرة دي بخطة واضحة وحدودي أنا
مافيش قرارات متاخدة من ورا ظهري
ولا أي حد يقدر يدخل حياتي ويغير شكلها بكلمة
البيت على البحر بقى مساحة أمان
مش مجرد مكان سكن
بقى مكان أقدر أقعد فيه مع نفسي من غير ما أكون في حالة دفاع طول الوقت
في يوم الصبح بدري
كنت قاعدة على التراس وبشرب قهوتي
والهوا ساكن والموج خفيف
لقيت رسالة وصلتلي
من سارة
أنا اتخرجت النهارده وحسيت إني أخيرًا بقيت أنا مش ظل حد
قعدت أبص في الرسالة شوية
وبعدين ابتسمت بهدوء
لأن كل واحد فينا كان بيكمل طريقه بطريقته
أبويا بقى يزورني كل أسبوع تقريبًا
مش بيحاول يصلح الماضي بكلام
بس بيحاول يبني حاضر مختلف
وده كان كفاية بالنسبة لي
وفي مرة قعدنا سوا على التراس
قال لي
إنتي كنتي أقوى مما كنت فاكر بس للأسف اتعلمت ده متأخر
قلت له بهدوء
المهم إني اتعلمت ومش هرجع أعيش وأنا مش شايفة
سكت شوية وبعدين هز راسه
الليل نزل على البحر
والأنوار انعكست على المية
وكنت قاعدة لوحدي بعد ما كل حد مشي
ومرة واحدة حسيت إن الصمت اللي كان زمان قيد
بقى دلوقتي اختيار
اختيار إني ما أردش غير لما أكون عايزة
ما أديش غير لما أكون مقتنعة
وما أسيبش حد يكتب حكايتي غيري
قفلت عيني
ومع صوت الموج
كان في جملة واحدة واضحة جوايا
اللي اتكسر جوه مني زمان
ما اتصلحش
هو بس اتبدل بحاجة أقوى أنا نفسها
مرت سنة كاملة تقريبًا
والحياة ما بقتش دراما كبيرة زي الأول
بقت تفاصيل صغيرة بس محسوبة
روتيني بقى بسيط بشكل غريب
شغل في الصبح
مكالمات قصيرة
وقرارات ما حدش بيتدخل فيها غيري
البيت على البحر بقى شبه هدوء دائم
مش لأنه فاضي
لكن لأنه بقي ملكي فعلًا من غير صراع حوالينه
في يوم وصلتني ورقة رسمية
إخلاء ذمة نهائي في
القضايا القديمة
كل الملفات اتقفلت قانونيًا
الاسم اللي كان مرتبط بالمشاكل اختفى من حياتي بالكامل
وقتها ما حسّيتش بانتصار
حسّيت بخفة
كأن حمل تقيل اتشال من غير ما أخد
تم نسخ الرابط