فاتورة الانتقام: حين تلدغ الأفاعي. حكايات شروق خالد
الباب بتاع القاعة كان تقيل أوي على قلب الصبح، كأن المقبض النحاس حاسس باللي هيحصل وعايزني ألف وأرجع.. بس أنا مارجعتش.
زقيت الباب بإيد، وبالتانية كنت متبتة في الشنطة لدرجة إن عقل صوابعي ابيضت. كنت لابسة البدلة الوحيدة اللي حيلتي، بدلة قديمة كنت شارياها من تلات سنين عشان مقابلات الشغل، أيام ما كنت فاكرة إن تعبي وشقايا هيخلوا أهلي يفتخروا بيا في يوم من الأيام.
ريحة البدلة كانت لسه فيها أثر دراي كلين على ريحة مطر، على ريحة خوف.. أنا مانمتش طول الليل، كنت خايفة لو قلعت البدلة دي هنهار قبل الشمس ما تطلع.
القاعة مكنتش زحمة، بس كل الوشوش اللي حسستني في يوم إني قليلة كانت قاعدة في أول صف.
أمي قاعدة وحاطة رجل على رجل، بالطو كريمي مفرود على حجرها بالمللي، وغويشة الألماظ بتبرق مع كل حركة.. وجنبها أبويا ببدلته الرمادي الغالية، ماسك الموبايل بيقلب فيه ببرود وكأنه مستني دوره في مطعم.. وأخويا البرنس قاعد مأنتخ بينهم بابتسامة صفراء، بيبصلي بصة الشفقة اللي بيوزعها على أي حد أقل منه.
كان شكلهم شيك قوي.. مرتاحين.. واثقين من نفسهم.. مكنش باين عليهم أبداً إنهم جايين يحجروا على بنتهم الكبيرة في المحكمة.. كان شكلهم ناس مستنيين الويتر يجيبلهم المنيو.
أمي لمحتني الأول.
عينيها نزلت من جزمتي المتقشرة لكُم
مالت على ودن أبويا ووشوشته.. أبويا بصلي بصه واحدة وراح نافخ بملل، كإني عطلته عن مشاويره المهمة عشان أدافع عن نفسي.
المحامي بتاعهم، رفعت بيه، كان قاعد جنبهم بيرتب ورق في دوسيه جلد تمنه يشتري تمويني لمدة سنة.. كان لابس قميص منشي وكبكات فضة، وشه بيقول إنه ضامن القضية في جيبه الصغير.
مشيت من جنبهم من غير ولا كلمة.
ريحة برفيوم أمي كانت خنقاني وهي ماشية ورايا في الممر.
قعدت على الكرسي المخصص ليا، الخشب كان ساقع تحت إيدي. حسيت إن نفسي بيترعش، فبدأت أعد في سري
واحد..
اتنين..
تلاتة..
وبعدين حطيت الشنطة على التربيزة.. بهدوء.. من غير صوت.. وبكل احترام.
الشنطة دي كان فيها تلات فولدات ملفات سهرت عليهم لحد الفجر في مكاتب المكاتب العامة، وفي طرقة المحكمة، وعلى أرضية شقتي، في الوقت اللي كانت رسايل أمي مابتوقفش وهي بتقولي وفري على نفسك الفضيحة وسلمي أحسن.
الفولد الأزرق كان فيه الرد على طلب الحجر.
الفولد الأصفر كان فيه السجلات المالية.
أما الفولد الأحمر فده كان فيه اللي عمرهم ما تخيلوا إني ممكن أوصله.
أهلي كانوا فاكرين إني داخلة المحكمة ب شوية عياط
القاضية دخلت.. ست في الستين، شعرها فضي مشدود لورا، عينيها حادة زي السكينة. فتحت الملف اللي قدامها وبصت في الورق.
فضلت واقفة لحد ما طلبت مننا نقعد.
قلبي مكنش بيدق بسرعة خلاص.. كان فيه هدوء غريب.. هدوء ما قبل العاصفة.
القاضية بدأت إحنا هنا بناءً على الطلب المقدم من السيد رأفت عبد الحميد والسيدة ليلى هانم، للحجر على بنتهم أمل بدعوى عدم أهليتها المالية.
أمي رفعت راسها بكل فخر، كأن قلة الأصل قدام المحاكم بقت وجاهة اجتماعية.
القاضية قلبت الصفحة، وعينيها راحت على ورق الرد.. وبعدين رفعت عينها وبصتلي مباشرة
يا آنسة، حضرتك معاكي محامي يمثلج، ولا هتدافعي عن نفسك؟
وقفت بكل ثبات.. صوت رجلي الكرسي وهي بتتحرك على الأرض عمل رنة في القاعة كلها.
أمي ابتسامتها وسعت، كانت فاكرة إن دي اللحظة اللي هقول فيها بكسرة معيش فلوس أجيب محامي.
بصيت للقاضية وقلت بصوت واضح
أيوة يا سيادة القاضية.. أنا معايا محامي.
رفعت بيه محامي أهلي بطل يكتب ورفع راسه.. والقاضية استغربت وقالت والمحامي موجود؟
فتحت الفولد الأزرق وحطيت إيدي على أول صفحة
أيوة يا فندم.. أنا المحامي. أنا مقيدة في نقابة المحامين من يناير اللي فات، وبترافع عن نفسي بصفتي محامية وصاحبة الشأن.
في ثانية،
وش أمي اتخطف.. مكنش مجرد صدمة، وشها بقى أبيض زي الورقة. أبويا اتعدل في قعدته لدرجة إن الموبايل كان هيقع من إيده. وأخويا الابتسامة اللي على وشه اتمسحت كإن حد مسحها بآستيكة. المحامي بتاعهم بصلي لأول مرة كإني خصم حقيقي مش مجرد بنت مكسورة.
القاضية عينيها لمعت بذكاء وقالت تمام يا أستاذة.. اتفضلي.
كلمة أستاذة دي نزلت عليهم زي الخبطة بالشاكوش.
مسكت الفولد الأحمر.
محامي أهلي قام نص قومة وقال يا فندم، إحنا مكنش عندنا علم إن الآنسة أمل بقت محامية أو إنها
القاضية قاطعته من غير ما تبص له ده حقها القانوني يا أستاذ رفعت، ملوش لزوم العلم المسبق.
أبويا سنانه كزت على بعض.. وأمي عينيها كانت متعلقة بالفولد الأحمر.. هي عارفاني، عارفة إني لما بنظم حاجتي بالألوان يبقى ناويّة على مصيبة.
القاضية بصتلي اتفضلي يا أستاذة، عندك إيه تقوليه؟
طلعت أول ورقة من الملف الأحمر.. إيدي كانت ثابتة زي الصخر.
وقلت يا فندم، أنا مش بس بقدم رد على طلب الحجر.. أنا بقدم طلب رسمي بصرف النظر عن القضية، مع تعويض، وتحويل الموضوع للنيابة بتهمة التزوير والتلاعب.
محامي أهلي صرخ اعتراض يا فندم!
القاضية ردت ببرود اعتراض على إيه يا أستاذ؟
سكت ومسكتوش رد.. والتأتأة بتاعته طمنتني.
قربت من المنصة وسلمت الورق
أمي ندهت اسمي بصوت واطي، بس المرة دي مكنش صوت