​فاتورة الانتقام: حين تلدغ الأفاعي. حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

أزرق، والورقة اترعشت في إيده.
في اللحظة دي، الحاجب نادى محكمة!
الكل وقف.. القاضية دخلت ووشها مبيتغيرش، قعدت وبصت في الورق، وبعدين نطقت الحكم اللي كان زي السكينة اللي قطعت كل الحبال اللي كانت مكتفاني
حكمت المحكمة.. أولاً برفض دعوى الحجر لعدم الصحة. ثانياً إلغاء كافة التوكيلات الصادرة من المدعى عليها لوالدها. ثالثاً إحالة كافة الأوراق والمستندات المقدمة من المدعى عليها للنيابة العامة للتحقيق في شبهة التزوير والاستيلاء على أموال الغير.. رفعت الجلسة.
صوت الشاكوش المرة دي كان ليه رنة موسيقية في ودني.
أمي وقعت على الكرسي وهي بتصرخ، وأبويا كان بيحاول يداري وشه من الناس اللي بدأت تتوشوش في القاعة.. المحامي بتاعهم سابهم وخرج جري.
أنا مشيت ناحية الباب، مكنتش حاسة بالشماتة، كنت حاسة بالراحة.. كأن جبل كان على صدري وانزاح.
وأنا خارجة، أخويا جرى ورايا ومسك دراعي أمل! استني! إحنا ملناش غير بعض.. أنتي أكيد مش هتعملي فينا كده بجد؟
نفضت إيده من عليا بكل قوة، وبصيت في عينه اللي كانت مليانة خوف
إحنا فعلاً ملناش غير بعض.. بس الفرق إنتم اخترتم الفلوس، وأنا اخترت كرامتي.. ومن النهاردة، اسمي الأستاذة أمل.. واللقاء الجاي مبينا مش هيكون في صالون البيت، هيكون في قفص الاتهام.
خرجت لشارع المحكمة، ونسمة هوا باردة خبطت في وشي.. رفعت راسي للسما وقولت شكراً يا جدي.. الأمانة وصلت.
ركبت تاكسي، ولأول مرة في حياتي، مكنتش خايفة من بكرة.
حكايات شروق خالد
التاكسي كان ماشي بيا في شوارع القاهرة الزحمة، بس أنا كنت شايفة كل حاجة تانية.. كنت شايفة البنت الصغيرة اللي كانت بتستخبى في أوضتها وهي سامعة أبوها وأمها بيخططوا إزاي ياخدوا عيدية جدي منها.. كنت شايفة
أمل اللي كانت بتعيط عشان ممعهاش تمن كورس القانون وهي شايفة أخوها بيغير عربيته كل سنة.
فتحت شباك التاكسي، وطلعت الموبايل.. لقيت أكتر من 20 مكالمة فائتة من قرايبنا، اللي عمرهم ما سألوا عليا وأنا بشتغل ورديتين عشان أسدد إيجاري، بس دلوقتى الخبر وصلهم إن البطة اللي بتبيض دهب طارت من إيد أهلي.
بعت رسالة واحدة على جروب العيلة
اللي بيسأل.. القضية خلصت، والحق رجع لأصحابه. وأي حد هيحاول يتدخل أو يضغط عليا، ملفات التواطؤ جاهزة، والقانون مبيعرفش حد.
فجأة، الموبايل رن.. كان رقم المحامي شاكر، صاحب جدي والوحيد اللي وقف جنبي وسربلي الأوراق من غير ما أهلي يحسوا.
رديت بصوت ثابت أيوة يا متر.. كله تمام. الحكم صدر وصدمهم كلهم.
رد عليا وصوته فيه ضحكة فخر مبروك يا سيادة المستشارة.. جِدك الله يرحمه كان عارف إنه ساب الأمانة في إيد راجل.. دلوقتى يا بنتي، لازم تأمني نفسك، الفلوس دلوقتى بقت في حسابك قانوناً، والتحقيقات هتبدأ مع والِدك بكرة.
قولتله بجمود أنا مش هتنازل يا متر.. اللي حاولوا يجننوني عشان يسرقوني، لازم يدوقوا طعم العدل.
وصلت قدام بيت جدي القديم، البيت اللي هما طردوني منه من سنتين وقالولي مكيش مكان هنا.. نزلت من التاكسي، وبصيت للبيت الكبير اللي كان مقفول بالسلاسل من ساعة وفاة جدي.
طلعت المفتاح الأصلي اللي جدي سلمهولي في السر وهو على فراش الموت.. حطيته في القفل، ولفيته.. تكة الباب وهو بيتفتح كانت هي إعلان الاستقلال الحقيقي.
دخلت الصالون الواسع، التراب كان مغطي كل حاجة، بس ريحة جدي كانت لسه مالية المكان.. ريحة العود والكتب القديمة. قعدت على الكرسي بتاعه، وفتحت الشنطة، وطلعت صورة لينا وإحنا صغيرين.
قُلت للصورة وأنا ببتسم ودموعي
نازلة لأول مرة من الصبح
عملتها يا جدي.. البدلة القديمة اللي كنت مكسوفة منها، بقت توب النصر.. والفلوس اللي خافوا عليها، هي اللي هتوديهم ورا الشمس.
فجأة، سمعت صوت خبط عنيف على الباب البراني.. وصوت أبويا وهو بيزعق بره افتحي يا فاجرة! فاكرة إنك هتهربي مننا؟ البيت ده بيتي أنا!
قمت بكل هدوء، مكنتش مرعوبة ولا خايفة.. فتحت الموبايل وطلبت النجدة.
وقفت ورا الباب وقولت بصوت عالي سمعه الشارع كله
يا سيادة اللواء.. أنا ببلغ عن محاولة اقتحام لمنزلي من ناس ملهومش صفة قانونية.. أنا الأستاذة أمل، ومعايا حكم محكمة بملكية العقار والتمكين.. والشرطة في الطريق دلوقتى.
الصوت بره سكت تماماً.
سمعت صوت رجلين بتبعد بسرعة، وصوت عربية بتمشي بتفحيط.. هربوا زي الفيران لما النور بيطلع عليهم.
قعدت على الكنبة، وغمضت عيني.. ولأول مرة من سنين، نمت.. نومة عميقة وهادية.. نومة حد مبيخافش من بكرة، لأن بكرة بقى ملكه هو وبس.
حكايات شروق خالد
صحيت الصبح على صوت العصافير في جنينة بيت جدي، مش على صوت كوابيس الحجر ولا رسايل التهديد. قمت فتحت الشبابيك الخشب الكبيرة، وخليت الشمس تدخل تمسح غبار السنين اللي فاتت.
وأنا بشرب قهوتي، تليفوني رن.. كان المحامي شاكر.
أمل بنتي، جهزي نفسك.. النيابة استدعت والدك ووالدتك النهاردة الصبح للتحقيق في بلاغ التزوير وسحب الأموال.
أخدت نفس عميق وقلتله أنا جاية يا متر.. مش هسيب حقي لآخر لحظة.
رحت النيابة، وبمجرد ما دخلت الممر، شوفتهم قاعدين على الكراسي الخشب القديمة.. مكنش فيه لا ديزاينر ولا ماركات.. أمي كانت لابسة طرحة عادية ووشها باهت من غير مكياج، وأبويا كان قاعد بيبص في الأرض وإيده بتترعش. أول ما شافوني، أمي قامت جرت عليا وحاولت
تمسك إيدي وهي بتعيط
بوسي إيدنا يا أمل.. بلاش الفضيحة، الناس هتاكل وشنا، أبوكي هيروح فيها لو اتسجن.. احنا أهلك يا بنتي، دمك ولحمك!
بصيت في عينيها بكل
قوة وقلت لها
كنت فين يا ماما وأنا بدمي ولحمي كنت بترمي في الشارع؟ كنت فين والناس بتاكل وشي بكلمة مجنونة و غير متزنة اللي كنتم بتنشروها عني؟ انتم اللي اخترتم الطريق ده.. والقانون مبيعرفش بابا وماما.
دخلنا قدام وكيل النيابة.. المواجهة كانت صعبة، بس الورق كان أصعب. وكيل النيابة واجه أبويا بتقرير البنك وبالتوقيع المزور في وقت المستشفى. أبويا حاول ينكر، بس لما شاف الفيديوهات اللي جدي كان مسجلها فيديو بصوته وهو بيحكي عن ضغوطهم عليه وهو مريض، انهار تماماً.
خرجت من المكتب وأنا سامعة صوت العساكر وهم بياخدوا أقوالهم تمهيداً لقرار الحبس على ذمة التحقيق.
بعد أسبوع، كنت قاعدة في مكتب جدي، بس المرة دي مكنتش أمل المكسورة.. كنت الأستاذة أمل اللي فتحت أول مكتب محاماة خاص بيها في نفس البيت.
جبت عامل يركب اليافطة على باب البيت بره
مكتب الأستاذة أمل رأفت عبد الحميد المحامية
أخويا جالي المكتب، كان جاي يطلب مصروفه كالعادة وهو فاكر إن الدنيا لسه زي زمان. بصتله وطلعت شيك بمبلغ بسيط، وقلت له
ده آخر قرش هتاخده مني.. ومن بكرة، تنزل تدور على شغل زي ما أنا عملت.. الفلوس دي فلوس جدي للي يستحقها، مش للي يضيعها في السهر. البيت ده هيفضل مفتوح ليكم بس كأهل، مش كأصحاب مال.
خرج أخويا وهو مش مستوعب إن الفرخة اللي كانت بتبيض دهب بقت هي صاحبة المزرعة.
وقفت في البلكونة وبصيت للسما.. الفلوس ال 1 2 مليون اللي سابهم جدي مكنوش هم المكسب الحقيقي.. المكسب الحقيقي هو إني استرديت أمل اللي ضاعت منهم سنين.
تمت.
فاتورة
الانتقام حين تلدغ الأفاعي.
حكايات شروق خالد

تم نسخ الرابط