الفرصة الأخيرة حكايات شروق خالد
قبل طيارتي لباريس بأربع دقائق، عرفت إن جوزي شايل ابن واحدة تانية.
الصورة وصلتني وأنا واقفة عند بوابة B23 في مطار القاهرة، كنت ماسكة تذكرة الطيران بإيدي جامد لدرجة إن الورق باش من عرق إيدي. الرسالة جت من رقم غريب، بس الصورة كانت واضحة ومش محتاجة شرح. ياسين المنشاوي، جوزي اللي متجوزاه من تلات سنين، كان واقف قدام غرفة ولادة في مستشفى خاص. جاكت البدلة الكحلي كان على دراعه، وشمر كمام قميصه الأبيض، وساعته الغاليةاللي كانت هدية مني في عيد جوازنا السنة اللي فاتت ومبصش فيها حتىكانت بتلمع تحت نور المستشفى.
كان ساند بإيديه الاتنين على باب الأوضة، وشه كان مشدود، ومرعوب، وفي نفس الوقت حي.. حي بطريقة عمري ما شفتها وهو معايا.
جوه الأوضة دي كانت ناردين، حبه الأول.. الحكاية اللي مخلصتش، المكالمة اللي بتجيله في نص الليل، مشوار الشغل المستعجل.. نقطة ضعفه الوحيدة اللي كنت بسمع عنها في وشوش الناس وبمثل إني مش سامعة.
ودلوقتي، كانت بتخلف ابنه.
رسالة تانية جت
مدام إيفيلين، أنا آسفة. هو قال للمستشفى إنه الأب وطلب محدش يزعجه.
فضلت باصة للجملة لحد ما الحروف اتلخبطت في بعض، مش عشان بعيط، لا.. عشان فيه برود غريب سكن جسمي لدرجة إني نسيت إزاي أرمش بعيني.
طلب محدش يزعجه.
النهاردة 15 مارس.
عيد جوازنا.
الصبح، وقفت في المطبخ بجهز
لما ياسين مر من المطبخ وهو خارج، بصيت له بأمل مكسور وكسوف
هترجع على العشا؟
موقفش حتى وهو ماشي
عندي اجتماع.
ياسين.. النهاردة عيد جوازنا.
الباب اتقفل قبل ما أعرف هو سمعني ولا لا.
قعدت تلات ساعات على السفرة لوحدي والشموع بتسيح قدامي، الورد فتح في السكوت، والأكل برد. الساعة تسعة، لميت كل حاجة ورميتها في الزبالة. مش بغضب، ولا بتمثيل.. طبق طبق. تلات سنين محاولات، كلهم اترموا في كيس أسود.
بعدها طلعت، لبست فستان صوف كريمي، أخدت الظرف من الخزنة، وطلعت على المطار.
ودلوقتي، في المطار، صوت الميكروفون بيعلن
النداء الأخير لركاب رحلة باريس.
تليفوني هز في إيدي.. المرة دي كان ياسين.
مش رسالة، مكالمة.
شفت اسمه بينور الشاشة ياسين المنشاوي.
تلات سنين وأنا مستنية الاسم ده يظهر، مستنياه يكلمني من الشغل، من العربية، من أي حتة.. مستنياه يسألني أكلت؟ تعبانة؟ وحيدة في البيت الكبير اللي كان بيعامله كأنه متحف؟
دلوقتي بيكلمني عشان البوست بقى متاح للكل.
الصورة الأولى صورة فرحنا.
التانية وهو داخل فندق مع ناردين.
التالتة لقطة من كاميرا
الرابعة ملف متابعة حمل ناردين واسم ياسين مكتوب في خانة الأب.
الخامسة صورته النهاردة قدام أوضة الولادة وأنا مستنية في المطار بالفستان اللي كنت لابساه لعيد جوازنا.
السادسة ورقة طلاق.
وتحتهم جملة واحدة
بعد تلات سنين جواز، أنا قمت من على السفرة اللي مكنتش معزومة أقعد عليها أصلاً.
صوباعي كان فوق الشاشة.. ياسين لسه بيتصل.
الموظفة بصت لي وقالت يا فندم؟ بنقفل الباب.
كنسلت المكالمة، قفلت التليفون، ومشيت في الممر لقلب الطيارة.
من ورايا سمعت صوت بينادي في المطار الراكبة إيفيلين المنشاوي.. نداء أخير.
بس إيفيلين كانت خلاص مشيت.
في اللحظة اللي ياسين شاف فيها البوست، كان البيبي بيصرخ بين إيديه.
الممرضة قالت له مبروك يا أستاذ ياسين، ولد. ولثانية واحدة، نسي الدنيا كلها. بص للطفل اللي وشه أحمر وملفوف في بطانية صفراء، وحس بنصر غريب.. ابن من صلب المنشاوي، من الست اللي أقنع نفسه إنه كان لازم يتجوزها من زمان.
فجأة، سامح المساعد بتاعه ظهر في الطرقة ووشه مخطوف كأنه شاف حد بيقع من شباك.
يا فندم.. قالها بصوت بيترعش.. لازم تشوف تليفونك.
ياسين بص له ببرود مش وقتك.
يا فندم.. دي مدام إيفيلين.
الابتسامة اتجمدت على وش ياسين.
أخد التليفون بإيد واحدة وهو لسه شايل البيبي بطريقة ملخبطة. الشاشة كانت
فضيحة رئيس شركة المنشاوي في المستشفى مع عشيقتة وزوجته تطلب الطلاق.
برق بعينيه، وبدأ يقلب في الصور بسرعة جنونية.. قسيمة الجواز، كاميرات الفندق، ورق المستشفى، صورته وهو واقف قدام الأوضة، وورقة الطلاق.
وشه بقى أبيض زي الورق لدرجة إن الممرضة رجعت لورا بخوف.
هي فين؟.. زعق في سامح.
سامح بلع ريقه بصعوبة في المطار.. طيارة باريس.
ياسين حدف البيبي للممرضة بسرعة لدرجة إنها شهقت وهي بتلحقه وتضمه لصدرها.
يا أستاذ ياسين!
بس ياسين كان خلاص بيجري.
ناردين، اللي كانت نايمة جوه وتعبانة، سمعت الدوشة من ورا الباب الموارب.
ياسين؟.. ندهت بصوت ضعيف.. هو رايح فين؟
محدش رد عليها.
لما خرجوها بعد عشر دقائق، كانت فاكرة إنها هتلاقيه مستنيها بورد، بوعود، بفخر.. بس لقت سامح واقف لوحده ووشه متدمر وتليفونه مش بيبطل رن.
الممرضة حطت البيبي في حضن ناردين.
فين ياسين؟.. همست ناردين.
سامح بص لها وبعدين بص في الأرض.
ناردين مسكت إيده جامد فين ياسين؟!
راح يلحق مراته.
في اللحظة دي، الطرقة كلها اسودت في عين ناردين.
بصت للطفل اللي شالته تسع شهور، الطفل اللي كانت فاكرة إنه هيطرد إيفيلين من حياته للأبد. الطفل فتح بؤه الصغير وبدأ يصرخ، وإيديه كانت بتترعش تحت البطانية...
حكايات شروق خالد
ياسين كان بيسابق الزمن بالعربية، بيعدي