الفرصة الأخيرة حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

مالية الجرايد، فالحضانة والوصاية على ممتلكات الطفل هتبقى تحت إشرافي أنا. يعني القصر اللي كنت عايش فيه مع إيفيلين، بقى ملكي أنا وابني.
ياسين حس إن الأرض بتتهز تحت كرسيه. القصر اللي إيفيلين فرشته حتة حتة بوقها وذوقها، هتدخله ناردين وتعيش فيه بفلوسه.
في باريس، المعرض بتاع إيفيلين كان كامل العدد. الصحافة الفرنسية كانت بتتكلم عن الفنانة المصرية اللي قدرت تحول وجعها للوحات مذهلة.
وهي واقفة وسط المعرض، شافت واحد لابس بدلة شيك وواقف قدام لوحة بوابة B23 بتركيز. قربت منه، لفت وبص لها وابتسم
اللوحة دي فيها كمية حرية تخوف يا مدام إيفيلين.
إيفيلين ابتسمت بثقة الحرية فعلاً بتخوف اللي مش متعود عليها.
أنا آدم المنصوري، صاحب دار عرض هنا في باريس، ويشرفني إننا نتعاون في المعرض الجاي.
آدم كان النقيض تماماً لياسين؛ هادي، بيقدر الفن، وبيتكلم بلغة العيون مش بلغة الأرقام والسيطرة.
بعد سنة..
ياسين المنشاوي أعلن إفلاسه رسمياً. القصر اتباع في المزاد العلني عشان يسدد الديون ونفقة ناردين اللي محمتوش ونهبت اللي وراه واللي قدامه وراحت اتجوزت غيره. بقى قاعد في شقة إيجار
قديم، كل ليلة بيفتح التليفون يشوف صور إيفيلين وهي بتتكرم في أكبر محافل الفن في العالم.. ويشوفها وهي واقفة جنب آدم المنصوري وهما بيضحكوا من قلبهم.
في يوم، وصل لياسين طرد صغير من باريس. فتحه بإيدين بتترعش، لقى جواه ساعة عيد جوازهم القديمة، ومعاها ورقة صغيرة مكتوب فيها
الوقت مبيقفش عشان حد.. الساعة دي كانت بتعدي دقايق خيانتك، ودلوقتي بتعدي دقايق ندمك. أنا مبقتش أكرهك يا ياسين، أنا بقيت مش شايفاك أصلاً.. وده أسوأ بكتير من الكره.
رمى الساعة على الأرض واتكسرت ميت حتة، زي حياته بالظبط. بص من الشباك على الشارع الزحمة، وعرف إن القطر فاته عند بوابة B23، وإن الرحلة اللي بدأت بخيانة، انتهت بوحدة مفيهاش حتى ريحة الأمل.
أما إيفيلين، فكانت في اللحظة دي بتركب طيارة تانية، بس المرة دي مكنتش بتهرب.. كانت رايحة تفتتح معرضها الجديد في نيويورك، وإيدها في إيد آدم، والضحكة اللي كانت مدفونة تلات سنين، بقت هي العنوان الوحيد لوشها.
حكايات شروق خالد
الخبر انتشر في كل وكالات الأنباء إيفيلين المنصوري ريد سابقاً تكتسح سوق الفن العالمي.
ياسين كان قاعد في قهوة بلدي في السيدة
زينب، لابس قميص دبلان وعينيه غارزة في وش مجهد. قدامه جرنال قديم فيه صورتها وهي بتستلم جائزة فنانة العام. كانت طالعة في الصورة زي الملكة، لابسة فستان أسود بسيط، وفي إيدها خاتم ألماظ رقيق.. بس الأهم من الخاتم كانت اللمعة اللي في عينيها، لمعة ست مش محتاجة حد يكملها.
دخل عليه سامح، اللي ساب الشغل وبقى شغال سواق ميكروباص بعد ما الشركة قفلت.
لسه بتبص على صورها يا ياسين؟
ياسين مردش، فضل باصص للصورة ودمعة محبوسة في عينه
كانت بتعملي الأكل بإيدها يا سامح.. كانت بتستناني بالساعات والشموع قايدة وهي عارفة إني بخونها، ومع ذلك مكنتش بتقصر. أنا اللي كنت أعمى.
سامح قعد قدامه بأسى
أنت مكنتش أعمى، أنت كنت مغرور. كنت فاكر إن الفلوس والاسم يخليك تملك روح الناس. ناردين خدت القصر وباعته، وابنك كبر وميعرفش إنك أبوه أصلاً، ومسمي جوز أمه بابا.
ياسين غمض عينيه بوجع. ناردين اتجوزت راجل أعمال خليجي وسافرت، وخلت ياسين يوقع على تنازل عن رؤية ابنه مقابل إنها تتنازل عن قضايا النفقة اللي كانت هترميه في السجن. خسر ابنه اللي ضحى بكرامة إيفيلين عشانه.
في باريس، إيفيلين كانت واقفة
في جنينة بيتها الجديد، بيت كله شبابيك وقزاز بيدخله النور من كل ناحية. آدم قرب منها وحط إيده على كتفها
بتفكري في إيه؟
إيفيلين ابتسمت وبصت للسما
بفكر في بوابة B23.. لولا ال 4 دقائق دول، كان زماني لسه قاعدة على السفرة مستنية حد مش هييجي. الوجع ساعات بيبقى هو البوصلة اللي بتعرفنا طريقنا الصح.
آدم باس راسها
وأنا بشكر ال 4 دقائق دول كل يوم، لولاهم مكنتش هشوفك.
رن تليفون إيفيلين، كان رقم دولي من مصر. هي عارفة إنه ياسين، بيتصل كل سنة في نفس المعاد.. يوم 15 مارس.
بصت للتليفون وهو بيرن، آدم ساب لها مساحة تقرر.
إيفيلين مسكت التليفون، وبدل ما تعمل كنسل أو ترد بوجع، عملت حاجة تانية.. عملت مسح للرقم نهائياً من الذاكرة.
في نفس اللحظة، في القاهرة، ياسين سمع الرسالة الصوتية المعتادة عفواً، الرقم الذي طلبته غير موجود في الخدمة.
ياسين نزل التليفون من على ودنه، وبص للفراغ. الرقم اتمسح، الست اتمسحت، والفرصة اتمسحت.
قام من على القهوة، ومشي وسط الزحمة وهو ملوش ملامح، مجرد راجل تاني تاه في الدنيا بعد ما ضيع جوهرة كانت بين إيديه.. عشان يلاحق سراب خلص عند بوابة B23.
تمت.

الفرصة الأخيرة.
حكايات شروق خالد

تم نسخ الرابط