الرئيس والميكانيكي حكايات شروق خالد
ماذا ستفعل إذا توقف الرئيس فجأة أمام ورشتك الصغيرة وناداك باسمك؟
الشمس كانت حامية جداً في وقت الظهرية بشوارع القاهرة، وموجات الحرارة طالعة من الأسفلت. العربيات والموتوسيكلات بتجري بسرعة، والتراب مالي الجو وعلى وشوش الناس وقزاز الجوامد. على ناصية تقاطع زحمة، كان فيه راجل هدومه كلها شحم وزيت شغال تحت كبوت عربية ربع نقل قديمة.
إيديه كانت سودا من الزيت، ووشه غرقان عرق.
ده كان توما، كان أشطر وأذكى طالب في مدرسته زمان، ودلوقتي بقى ميكانيكي على الرصيف بيحارب عشان لقمة العيش.
زمان، المدرسين كانوا بيحلفوا بذكائه وسرعة فهمه، وزمايله في الفصل كانوا بيعتمدوا عليه دايماً عشان يشرح لهم الدروس. كان بيحلم يطلع مهندس كبير، ويمكن يساعد في إنه يبني بلد أحسن. بس لما الحريقة أخدت أبوه وأمه وهو عنده 16 سنة، توما ساب المدرسة عشان يربي أخته الصغيرة. راجل عجوز من جيرانهم علمه إزاي يصلح المواتير، ومع الوقت نقل المدينة وافتتح ورشة صغيرة على ناصية شارع كله تراب.
الشغل كان شاق وهدد حيل. والفلوس مكنتش مضمونة أبداً. ساعات زباين يزعقوا فيه عشان التأخير، وساعات تانية يروح بيته وهو معاهوش مليم.
ومع ذلك، توما عمره ما غش ولا نصب على حد.
كان دايماً يقول لنفسه: «لو فضلت دغري وصادق وكملت شقا، الأيام الحلوة هتيجي».
بعد الظهر
عربية سودا فخمة وبتلمع وقفت فجأة عند التقاطع. نزل منها راجلين بلبس أسود ونظارات شمس، وبقوا يمسحوا المنطقة بعنيهم. حركة المرور بدأت تهدأ، والناس بدأت تتجمع من الفضول.
واحد من الحشد همس: «دي حراسة الرئيس».
توما مرفعش راسه أصلاً. فضل قعد القرفصاء جمب الموتوسيكل يربط البراغي والصواميل. الكبار اللي راكبين عربيات ملايين مش هم اللي هيدفعوا له فواتيره، وهو عنده شغل ولازم يخلصه.
وفجأة، نزل من العربية راجل طويل وهيبته شديدة بلبس عسكري مظبوط بالمسطرة. عينيه لفت في المكان وفجأة ثبتت في حتة واحدة.
«توما!»، نطق الاسم بنبرة وهو مش مصدق عينيه.
توما رد من غير ما يرفع راسه: «دقيقة واحدة.. هخلص اللي في إيدي حالا».
الصوت جه تاني، بس المرة دي كان أعلى ومليان لهفة وعاطفة.
«توما.. هو إنت بجد؟»
توما وقف المرة دي، ومسح العرق من جبهته بحتة قماشة قديمة. بص قدامه وقعد يدقق في الملامح.
«إبراهيم؟»
السكوت حل على المكان كله والناس مابقتش تنطق.
الراجل قلع الكاب بتاعه وقطع المسافة اللي بينهم في تلات خطوات واسعين. وقبل ما الحراسة الشخصية تلحق تعمل أي رد فعل، كان واخد توما في حضن قوي وعنيف.
قال وصوته بيتهز ويكاد يدمع: «مش مصدق إني لقتك.. أعز أصحابي. أخويا».
الناس في الشارع
رئيس بورسعيد، إبراهيم تراوري.
وكان واقف هناك بيبكي علانية في وسط الشارع، ومتبت في ميكانيكي على الرصيف كأنه خايف يهرب منه أو يسيبه تاني.
توما حس بقلبه بيتعصر. مأقعدش شاف إبراهيم من وقت ما كانوا عيال صغيرة في نفس المنطقة، بيحلموا إنهم هيغيروا البلد سوا في يوم من الأيام. بس الدنيا أخدت واحد منهم للقصر الرئاسي، ورمت التاني في ورشة تراب على الرصيف.
إبراهيم قال له بصوت واطي: «إنت كنت واعدني إننا نغير البلد دي كتف في كتف.. إزاي سبت نفسك ووصلت لهنا؟»
توما ابتسم ابتسامة باهتة وقال: «أنا مسبتش نفسي.. هي الدنيا بس مشيتنا في طرق مختلفة».
إبراهيم مسك كتافه وقال: «طب احكي لي على كل حاجة.. تعالى معايا دلوقتي حالا. سيب المكان ده».
توما هز راسه وقال: «ماقدرش.. عندي زباين مستنيين حاجتهم».
الرئيس عدل الكاب بتاعه، وبص للشغل اللي لسه مخلصش، وبعدها قال كلمة صدمت كل اللي واقفين بيتفرجوا.
«خلاص، أنا هقعد هنا معاك».
وفعلاً عمل كده.
الرئيس، الراجل اللي وقته ويومه بيتحسب بالثانية، قعد على كرسي خشب قديم ومقشر جمب الميكانيكي الشقيان المتبهدل بالزيت. الشارع كله مقلوب بالهتاف والصريخ. العربيات بقت تهدي وناس تقف خالص، وكلهم مطلعين الموبايلات بيسجلوا اللحظة دي.
بس إبراهيم مكانش
كل اللي كان شايفه هو صاحب طفولته، اللي لسه محتفظ بنفس الكبرياء، والأمانة، والقوة الهادية اللي عرفها فيه وهو عيل صغير.
قعدوا جمب بعض على مصطبة قديمة برة الورشة المتغطية بالصاج. ونور الظهرية كان نازل وسط التراب اللي في الجو. للحظة، كان باين إن المدينة كلها وقفت تتفرج على المشهد ده.
إبراهيم قال بصوت هادي: «إنت مامتغيرتش يا توما.. لسه عنيد زي ما إنت، ولسه متواضع».
توما ضحك وقال: «وإنت لسه بتحب الدراما والشو.. قاعد جمب ميكانيكي قذر قدام نص البلد! حراسك شكلهم يقطع الخميرة من البيت وجاهزين يغمى عليهم من الخضة».
إبراهيم ضحك من قلبه، الضحكة الصافية اللي توما منساهاش من أيام الطفولة، وقال له: «خليهم يتخضوا يا توما.. الرئاسة دي منصب بيروح وبيجي، بس الأخ والصاحب الجدع مبيتعوضش».
الرئيس فضل قاعد أكتر من ساعة، وتناقش مع توما في أحوال الشارع، وسمع منه عن مشاكل الصنايعية والورش الصغيرة بكل اهتمام. توما مكلفتش نفسه يطلب أي حاجة لنفسه، وده كبّره في عين إبراهيم أكتر وأكتر.
قبل ما إبراهيم يقوم ويمشي، التفت لمدير مكتبه وشاور له، الراجل قرب وبأدب شديد وادا لتوما كارت دهبي عليه ختم الرئاسة. إبراهيم مسك إيد توما وقال له: «النهاردة بالليل، السواق هيجيلك لحد هنا.. مستنيك في القصر، فيه