الرئيس والميكانيكي حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

بالليل، عربية الرئاسة وصلت وأخدت توما، اللي استحمى ولبس نضيف بس فضل بنفس بساطته. لما دخل المكتب الرئاسي، إبراهيم مكنش مستنيه بقرارات روتينية، كان مستنيه بـ "مشروع عمر".
إبراهيم فتح قدامه خريطة لمدينة صناعية جديدة الدولة بتجهزها، وبص لتوما وقال له: «أنا مكنتش بضحك عليك الصبح لما قولتلك إننا هنغير البلد دي كتف في كتف. إنت كنت أذكانا وأشطرنا، والبلد دي محتاجة عقول نظيفة وأمينة زيك. الدولة بتأسس أكبر مركز صيانة وتطوير للمعدات الثقيلة وسيارات النقل، وأنا مش هلاقي حد أأمن منك ولا أفهم منك يمسك إدارة المركز ده ويكون مستشار رئيس الجمهورية لتطوير الصناعات الحرفية».
توما دموعه نزلت ومكنش مصدق، افتكر أيام الشقا، والتراب، والليالي اللي كان بينام فيها جعان عشان يوفر لقمة لأخته الصغيرة. بص لإبراهيم وقال له: «بس أنا مكملتش تعليمي يا إبراهيم.. أنا مجرد ميكانيكي رصيف».
إبراهيم حط إيده على كتفه بحسم وقال له: «الشهادة ورقة يا توما، بس الشرف والأمانة والعبقرية اللي في إيديك دي هي اللي بتبني بلاد.. إنت من بكرة هتبدأ، وأختك من النهاردة هتدخل أحسن جامعة في البلد على نفقة الدولة».
في خلال شهور قليلة، توما اتغيرت حياته تماماً، وبقى من أهم الشخصيات اللي بتطور قطاع الصيانة والصناعة في البلد، ونقل ورشته القديمة لمركز تدريب كبير بيعلم فيه الشباب
العاطلين الصنعة بأصولها وأمانتها.
وعلمت القصة دي الناس كلها إن الشقا والأمانة عمرهم ما بيروحوا الأرض، وإن ربنا لما بيكافئ البني آدم الصابر، بيبعت له الفرج من أوسع الأبواب، وفي صورة ضهر وسند مكنش يخطر له على بال.
حكايات شروق خالد

ومع مرور السنين، بقيت حكاية إبراهيم وتوما بتتردد في كل حتة في البلد كرمز للوفاء والعدل. توما مكنش مجرد مسؤول قاعد في مكتب تكييف، ده كان بينزل بنفسه الورش والمصانع، يتابع العمال، ويسمع مشاكل الصبيان الصغيرين اللي بيفكوا ويربطوا في الشحم، لأنه كان في يوم من الأيام واحد منهم وعارف يعني إيه صنايعي شقيان ومحتاج ضهر يحميه.
وفي يوم من الأيام، إبراهيم قرر يزور مركز التدريب والتطوير الكبير اللي توما بقى بيديره. أول ما الرئيس دخل والكل وقف انتباه، لمح توما واقف في وسط الورشة التعليمية، لابس بالطو الشغل، وإيديه برضه فيها آثار شحم وزيت وهو بيشرح للشباب فكرة ميكانيكية معقدة.
إبراهيم ابتسم وقرب منه وقال قدام كل المتدربين والمسؤولين: «أنا فخور بيك يا توما.. إنت مش بس بتطور صناعة، إنت بتبني رجال وأمل للبلد دي».
توما بص لصاحب عمره وقال له باحترام وامتنان: «البلد دي ملهاش أمل غير في عقول شبابها وفي عدل حكامها يا سيادة الرئيس.. أنا لولا إنك مديت لي إيدك في وقت الشدة، مكنتش هكون هنا النهاردة».
إبراهيم رد عليه بحسم:

«أنا ممدتش إيدي ليك يا صاحبي.. أنا مديت إيدي للحق والأمانة اللي فيك، وده واجب كل مسؤول يشوف المخلصين ويدعمهم».
الحكاية دي فضلت عايشة وملهمة لكل صنايعي وكل شاب شقيان في الشوارع المغبرة، وبقت دليل حي على إن الأيام الصعبة مهما طولت، مسيرها تفرج. الأمانة مابتموتش، والشرف مبيضيعش، والرزق لما بيجي من عند ربنا بقوة الصبر، بيغير مجرى الحياة كلها ويخلي الراجل الشقيان يرفع راسه فوق الدنيا كلها.

وعشان توما عمره ما نسي أصله، عمل صندوق خاص جوة المركز سماه "صندوق ولاد الشقا"، كان بيخصم جزء من أرباح المركز وعقود الصيانة الكبيرة عشان يمول بيه الورش الصغيرة اللي بتمر بأزمات، أو يشتري عدد وأجهزة حديثة للصنايعية بالتقسيط المريح من غير أي فوائد، ويساعد عيال الأسطوات اللي بيموتوا ومبيلاقوش حد يصرف على المدارس.
أما أخته الصغيرة، فرفعت راسه و تخرجت من الجامعة بامتياز، وبقت مهندسة ميكانيكا قد الدنيا، واستلمت قسم التصميم الهندسي للمعدات جوة نفس المركز، وبقوا هما الاتنين كتف في كتف بيردوا الجميل للبلد.
وفي ليلة من ليالي الشتا، بعد يوم شغل طويل وهدد حيل، توما كان قاعد في مكتبه بيمضي أوراق وميزانيات جديدة. الباب خبط ودخل إبراهيم، بس المرة دي مكنش لابس الزي العسكري الرسمي ولا معاه الحرس الكتير، كان لابس جلباب بسيط وجاي لوحده في زيارة ودية برة المواعيد.


توما قام وقف وبابتسامة قاله: «سيادة الرئيس بنفسه هنا؟ من غير حرس ولا مواكب؟»
إبراهيم قعد على الكرسي الخشب اللي توما أصر ينقله معاه من ورشته القديمة لمكتبه الجديد عشان يفكره دايماً بيبدأ منين، وقاله: «أنا قولتلك زمان يا توما.. لما بكون معاك، أنا بقلع توب الرئاسة وبرجع إبراهيم الصبي الصغير اللي كان بيحلم معاك فوق السطوح.. جاي أشرب معاك كوباية شاي كشري من إيديك زي زمان».
توما ضحك وولع البابور الصغير اللي شايله في ركن المكتب مخصوص عشان اللحظات دي، وعمل أحلى كوبايتين شاي. قعدوا يشربوا ويتكلموا عن الأيام الخوالي، وعن الشوارع القديمة، وعن الناس الغلابة اللي ربنا جعلهم سبب في خدمة وطنهم.
ولما إبراهيم جه يمشي، بص لتوما وقاله: «عارف يا توما.. لو كل مسؤول في البلد دي اختار مستشارين ومساعدين بأمانتك وشرفك، ومقاسش الناس بشهاداتها ووراثتها بل بقيمتها وشقاها، كنا بقينا في حتة تانية خالص».
توما بصل لصاحبه بامتنان وقاله: «البركة في اللي بيشوف بروح المحب مش بروح الحاكم يا إبراهيم.. الدنيا دي رحلة، وأجمل ما فيها إن الواحد يخرج منها وهو سايب سيرة طيبة وضهر لغيره».
ومن يومها، فضلت قصة "الميكانيكي والرئيس" تدرس كأعظم درس في الوفاء والأمانة، وإن ربنا دايماً بيدي الصابرين أكتر ملي كانوا بيحلموا بيه، ومبيضيعش أجر من أحسن عملاً.

الرئيس والميكانيكي
حكايات

شروق خالد

تم نسخ الرابط