رجعت لاوضه ابني
حس إن الدنيا بتلف حواليه.
مد إيده للورقة تاني، وقراها أكتر من مرة.
كان فيه تاريخ مكتوب تحت الجملة.
من تلات شهور.
نفس اليوم اللي ياسين وقع فيه في البيت وبدأت حالته الصحية تتدهور.
دخلت الممرضة فجأة وقالت
أستاذ عمر، الدكتور عايز يكلمك بره.
عمر خرج، لكن قبل ما يقفل الباب، بص لنور.
ماتتحركيش من هنا.
نور ابتسمت وقالت
أنا مستنية ياسين.
خرج عمر.
الدكتور كان واقف ومعاه تحاليل جديدة.
أنا مش عايز أديك أمل كاذب بس اللي حصل من شوية غريب جدًا.
يعني إيه؟
مؤشرات الالتهاب نزلت بشكل مفاجئ. إحنا محتاجين نعيد شوية تحاليل ونراجع كل حاجة من الأول.
عمر سأله
هل ده معناه إن ابني ممكن يعيش؟
الدكتور سكت.
معناه إننا لسه ماينفعش نقول إن مفيش أمل.
لأول مرة من أسابيع، عمر حس إن صدره دخل فيه نفس.
رجع للأوضة.
لكن نور كانت اختفت.
فين البنت؟
الممرضة بصت له باستغراب.
بنت مين؟
نور! البنت اللي كانت هنا!
أنا دخلت من شوية ومكانش فيه أي طفلة.
عمر جرى ناحية الباب.
لقي هالة، عاملة النظافة، واقفة في آخر الممر.
بنتك فين؟
هالة اتوترت.
بنتي؟ هي كانت تحت.
نور كانت هنا.
وش هالة اتغير.
حضرتك شفت نور؟
آه. وكانت مع ابني.
هالة قربت منه وهي بتتكلم بصوت واطي
نور ماينفعش تكون هنا.
عمر اتصدم.
ليه؟
هالة بصت حواليها.
عشان نور ماتت من سنتين.
عمر ما ردش.
فضل باصص لها كأنه مستني تضحك وتقول إنها بتهزر.
لكن هالة بدأت تعيط.
بنتي ماتت وهي عندها سبع سنين.
عمر رجع خطوة.
مستحيل.
كانت بتحب المستشفى ده. وكانت بتقعد تستنى جدتها عند السبيل القديم جنب الجامع. يوم الحادثة آخر حاجة قالتها لي كانت إنها هتروح تطمن على صاحبها ياسين.
عمر حس بقشعريرة.
بس ابني ماكانش يعرفها.
هالة مسحت دموعها.
ابنك كان يعرفها.
سكتت لحظة.
بس حضرتك كنت فاكر إن كل حاجة بدأت من تلات سنين.
عمر قرب منها.
قوليلي كل حاجة.
هالة أخدته ناحية السلم الخلفي.
وهناك قالت له الحقيقة.
قبل ما ياسين يتولد، كان عمر وزوجته السابقة قد فقدوا طفلة في حمل سابق.
بعدها بسنين، لما اتولد ياسين، عمر عاش حياته كلها تقريبًا في الشغل، وسافر، وبنى شركته.
لكن ياسين كان متعلقًا بشكل غريب بجدته سعاد.
وكانت سعاد بتاخده مرتين في الأسبوع لمركز أطفال صغير.
هناك قابل نور.
وكانت نور بتحكي له عن أخوها الصغير اللي مات، وعن أبوها اللي اختفى، وعن جدتها زينب.
وفي يوم، ياسين رجع البيت وقال لسعاد
نور قالتلي إن جدتي بتعرف حاجة عني.
سعاد خافت.
لأنها كانت تعرف فعلًا.
قبل سنين، سعاد اكتشفت إن والدة عمر، سعاد نفسها، كانت بتخبي عنه حقيقة قديمة.
لكن الحقيقة ماكانتوش مجرد فضيحة عائلية.
كانت أخطر.
عمر رجع لأوضة 418 وهو
دخل لقى ياسين صاحي.
أول ما شاف أبوه، مد إيده.
بابا
عمر قرب منه.
أنا هنا يا حبيبي.
ياسين همس
نور زعلانة منك.
عمر تجمد.
ليه؟
عشان جدتي قالت إنك مش هتصدقني.
قالتلك إيه؟
ياسين بص ناحية الشباك.
قالت إن بابا مش لازم يعرف.
عمر حس إن قلبه اتقبض.
يعرف إيه؟
ياسين سكت.
وبعدين قال
إن ماما ما ماتتش.
عمر فقد القدرة على الكلام.
زوجته السابقة كانت قد توفيت رسميًا قبل ثلاث سنوات في حادث سيارة.
أو هكذا قيل له.
لكن ياسين كان بيبص له بعينين مليانين خوف.
ماما عايشة يا بابا.
في نفس اللحظة، دخلت أمه.
سعاد.
أول ما شافت ابنها، فهمت من وشه إنه عرف.
قالت
عمر
رفع إيده.
ماتقوليش حاجة.
أنا كنت بحميك.
بتحميني من إيه؟ من مراتي؟ من ابني؟ ولا من الحقيقة؟
سعاد بدأت تبكي.
أمك كانت هتسيبك وتاخد ياسين.
عمر قرب منها.
مراتي ماتت في حادث؟
سعاد ما ردتش.
ماتت يا أمي؟
سكتت.
وده كان كفاية.
عمر حس إن كل السنين اللي فاتت كانت كذبة.
لكن الصدمة الأكبر كانت في الجملة اللي قالتها بعد كده
أم ياسين عايشة وموجودة في القاهرة.
عمر استدار بسرعة.
فين؟
سعاد انهارت.
أنا حبستهاش. أنا بس خليتها تختفي.
فين؟!
قالت اسم مكان.
دار رعاية في المعادي.
عمر خرج من المستشفى من غير حتى ما يغير هدومه.
لكن قبل ما يوصل للعربية، جاله اتصال من
أستاذ عمر؟
أيوه.
لو عايز ابنك يعيش ماتروحش لمراتك.
عمر سكت.
مين إنت؟
الشخص اللي كان المفروض يموت من سنتين.
الخط اتقفل.
في نفس اللحظة، وصلته صورة على موبايله.
كانت صورة نور.
لكن الصورة كانت حديثة.
نور واقفة قدام السبيل القديم.
وبجانبها امرأة شابة.
امرأة عمر عرفها من أول نظرة.
مراته.
كانت عايشة.
وكانت بتبص للكاميرا.
وعينيها مليانة دموع.
رجع عمر للمستشفى بدل ما يروح لها.
لأنه فجأة فهم إن حد مازال بيراقبه.
وأول حاجة عملها كانت إنه طلب تسجيلات كاميرات المستشفى.
بعد ساعتين، ظهر شيء غريب.
نور فعلًا دخلت المستشفى.
لكن الكاميرات لم تسجلها وهي تدخل أو تخرج من أوضة 418.
فقط ظهرت في ممر واحد.
وبجانبها امرأة ترتدي نقابًا.
عمر طلب تكبير الصورة.
المرأة كانت تمسك بيد نور.
وفي إيدها الأخرى ملف طبي.
على الملف كان مكتوب
ياسين الشهاوي الحالة الأصلية.
عمر جاب دكتور تاني متخصص، وطلب منه يراجع الملف من أول يوم دخل فيه ياسين.
وبعد ساعات من الفحوصات، اكتشفوا كارثة.
التشخيص الأول كان ناقصًا.
ياسين لم يكن مصابًا بالمرض الذي افترضه الأطباء.
كان عنده مرض نادر قابل للعلاج، لكن دواء معين كان يتم تغييره له باستمرار بسبب تعليمات تأتي من رقم مجهول.
عمر سأل
مين كان بيدي التعليمات دي؟
الممرضة فتحت السجل.
الاسم
د. سامح الشهاوي.
عم عمر.
الشخص اللي كان دائمًا بيظهر كأنه أكتر واحد حزين على ياسين.
عمر اتصل به.
إنت بتقتل ابني؟
ضحكة قصيرة خرجت من الطرف الآخر.
أخيرًا فهمت.
عمر