كل اللي قاعدين

لمحة نيوز


ناحيته. على الشاشة، كانت معروضة صورة كشف حساب بنك مصر، الحساب المشترك اللي فتحناه من تلات سنين عشان نجمع فيه كل قرش رايح لشقتنا، لفرش الصالون، للأجهزة الكهربائية، ولمؤخر الصداق اللي كنت مساهلة فيه على الآخر عشان بحبك وببني معاك.
عشرة آلاف جنيه في سيمينار وهمي، خمسة وعشرين ألف لشركة إيكو ترافيل بتاعة الرحلات، سحب كاش من ماكينة جنب بيت نهى في مصر الجديدة، وحجز أوتيل في دهب باسم مازن ونهى في الويك إند اللي قولتلي فيه إنك بايت في الشغل عشان تراجع البنية التحتية لسيستم طريق النجوم.
نهى وشها بهت، القلم وقع من إيدها ودحرج على خشب الترابيزة لحد ما نزل على الأرض برنة رنانة. مازن بلع ريقه بصعوبة، عروق رقبته نفرت إنتِ... إنتِ بتفتشي ورايا؟ إنتِ متخيلة إن الحساب ده ملكك لوحدك؟ أنا حر أتصرف في الفلوس كشريك!
شريك؟ ضحكت ضحكة قصيرة مليانة سخرية الحساب ده إيداعاتي فيه تمثل ٧٠٪ يا مازن. مكافآت التقييم السنوي بتاعتي، جمعية أمي الله يرحمها اللي قبضتها أول واحدة وحطيتها باسمنا، وبدل السفر اللي طلعته لفرع دبي السنة اللي فاتت.. كل مليم داخل برقم كودي ومثبت بإيصالات تحويل من مرتبي أنا. إنت إيداعاتك مكانتش بتغطي حتى مصاريف بنزين عربيتك اللي واخد قسطها على حس المشروع!
مريم، والله الموضوع سوء تفاهم! نهى اتكلمت بسرعة ونبرة صوتها اتهزت، دمعتين جهزوا في عينيها بالطلب مازن كان بيساعدني.. شركتي الخاصة كانت بتمر بضائقة، وهو وعدني إنه هيعتبر الفلوس دي سلفة مؤقتة لحد ما مشروعي يقف على رجله.. إحنا مكناش بنعمل حاجة غلط!
شركتك الخاصة؟ ميلت بضهري لورا وبصيتلها بتركيز يسلخ الجلد قصدك الشركة اللي متسجلة باسم والدتك صورياً، واللي هي في الباطن شركة مقاولات

فرعية لتوريد خيام ومعدات التخييم للمحمية؟ نفس الشركة اللي مازن مضى ليها أمر توريد مباشر بميتين وخمسين ألف جنيه من ميزانية طريق النجوم الأسبوع اللي فات، من غير مناقصة ومن غير ما أنا أعتمد الصرف بصفتي مدير المشروعات المشترك؟
صدمة الاتنين كانت كفيلة تلجم لسانهم. مازن وقف فجأة، الكرسي رجع لورا بصرير عالي إنتِ سرقتي ملفات الشغل؟! دا اختراق لسياسة الخصوصية، أنا ممكن أطردك قانونياً وأسجنك!
اطردني؟ رفعت حاجبي بهدوء وقفت في مواجهته، كانت المسافة بينا متر واحد بس، بس كانت المسافة دي بتفصل بين سنين من السذاجة والعمى، وبين واحدة لسه فايقة من كابوس إنت فاكر إني مستنية لحد تسعة الصبح بس عشان أواجهك إنت وهي؟ فاكر إني هضيع وقتي في خناقة نسوان على ساندوتش كفتة وجاكيت زارا مستعمل؟
قبل ما مازن يرد، صوت مقبض الباب اتحرك. الباب اتفتح على وسعه، ودخل اتنين مكنوش على بالهم إطلاقاً.
أول واحد دخل كان أستاذ فريد الدسوقي، رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي، راجل في أواخر الخمسينات، ملامحه صارمة ونظارته الطبية محطوطة على طرف مناخيره. ووراه مباشرة، دخل اتنين من إدارة الرقابة الداخلية والمراجعة المالية، ومعاهم المستشار القانوني للشركة، شايلين كراتين بيضا مخصصة لأرشفة ملفات التحقيق.
نهى شهقت وحطت إيدها على بؤها. مازن وشه اتجرد من أي نقطة دم، بقى شاحب زي الكفن.
صباح الخير يا سادة. أستاذ فريد اتكلم بصوت هادي، تقيل، يرعب أكتر من أي صراخ. دخل وقعد على رأس الترابيزة، والمستشار القانوني وقف وراه، بينما المراجعين بدأوا فوراً يفتحوا لاباتهم ويطلعوا دوسيهات مطبوعة.
أستاذ فريد.. مازن حاول يرتب كلامه، لسانه تقل وصوته بقى بيقطع فيه.. فيه سوء تفاهم كبير.. مريم
دخلت مشاكلنا العائلية والشخصية في

بيئة العمل، وجاية تبتزني قدام حضرتك ب...
أستاذ فريد رفع إيده ببطء، حركة بسيطة خرست مازن في ثانية واحدة. أقعد يا بشمهندس مازن. أقعدي يا آنسة نهى.
الاتنين قعدوا كأنهم مسلوبين الإرادة. أنا فضلت واقفة، راسي مرفوعة، عيني مش بتنزل من على وش مازن اللي كان بيتصبب عرق رغم برودة التكييف اللي بترعش العضم.
البشمهندسة مريم ما جابتش سيرة أي مشكلة شخصية لما كلمتني الساعة واحدة الفجر، أستاذ فريد قالها وهو بيشاور للمستشار القانوني يوزع نسخ من ورق رسمي قدام الكل البشمهندسة مريم بعتتلي ملف رقمي كامل من خمسة وأربعين صفحة، فيه مراجعة تفصيلية لكل أمر توريد اتعمل لمشروع طريق النجوم على مدار الست شهور اللي فاتوا.
رمى نظرة حادة لمازن وكمل كنت مأمنك على ميزانية المشروع الأكبر في تاريخ الشركة، معتمد إن مريم شريكتك وهي صمام الأمان اللي بيراجع وراك الشق الفني والتنفيذي. لما تفاجئنا إنك بقالك تلات أسابيع بتعتمد فواتير توريد خامات رديئة من شركة إيكو ترافيل بأسعار أضعاف سعر السوق، وبتحط إمضا إلكترونية مكررة على إنها إمضا مريم، يبقى الموضوع هنا مبقاش مشاكل خطوبة يا بشمهندس.. ده اسمه في القانون تزوير، واختلاس، وتربيح الغير.
نهى بدأت تعيط بهستيريا يا فندم والله أنا مليش دعوة! مازن هو اللي جالي وقالي هيدخلني في البيزنس عشان أساعد أهلي! هو اللي كتب العقود وهو اللي حدد النسب، أنا مجرد واجهة، مكنتش أعرف إنه بيعمل حاجة غلط في حق الشركة!
مازن التفت ليها بصدمة، عينيه جحظت وهو شايف البنت الرقيقة المسكينة اللي كان بيطعني في ضهري عشان يرضيها، بتبيعه في أول دقيقة ومن غير حتى ما تفكر تستر عليه. إنتِ بتقولي إيه يا نهى؟! إنتِ اللي
قولتلي إنك محتاجة سيولة عشان محلك واقع، وإنتِ اللي أصريتي إننا نعمل عروض الأسعار مضروبة بالاتفاق مع الموردين! بتبيعيني دلوقتي؟!
أنا مبعتكش! نهى صرخت وصوتها الرقيق اتبخر تماماً، وبانت نبرة تانية خالص مليانة غل وذعر إنت اللي ورطتني! إنت اللي كنت بتوهمني إنك ماسك الشركة في إيدك وإن مريم دي عبيطة ومغمية عينيها ومبتفهمش غير في الشغل وبس وهتمضي على أي حاجة تجيبها لها!
الجملة دي نزلت على الأوضة زي تلج متجمد. بصيت لمازن. كان باصص للأرض، كتافه مهدودة، وشه محمر من الخزي، مقدرش يرفع عينه في عيني. الكلمة رنت في ودني عبيطة ومغمية عينيها. سنين من عمري، خمس سنين كنت بصحى قبله بساعتين، أراجع له البرزنتيشن، أصلح له غلطات الإنجليزي في الإيميلات المهمة، أكتب له التقارير اللي كان بياخد عليها شكر من الإدارة، وأعمل نفسي مش واخدة بالي عشان كرامته قدام المديرين وقدام نفسه. سنين وأنا برتب له حياته وأدير له ميزانيته وأطبخ له الأكل اللي بيحبه وأستحمل بروده وتجاهله بحجة إنه مضغوط عشان بنبني مستقبلنا.
وفي الآخر، كنت في نظره ونظر صاحبة طفولته مجرد عبيطة.
كفاية رخص. قولتها بصوت واطي بس حاسم، الكلمة خلت نهى تسكت ومازن ينكمش في كرسيه.
أستاذ فريد خبط بقلمه على الترابيزة الموضوع خرج من إيد الإدارة الداخلية خلاص. الشئون القانونية عملت حصر مبدئي، العجز في عهدة البشمهندس مازن يقارب سبعمية ألف جنيه، غير الشبهة الجنائية في التزوير. تم تحرير محضر رسمي، والنيابة العامة هي اللي هتفصل بينكم. ومن اللحظة دي، إنتوا الاتنين موقوفين عن العمل تماماً، وشركتك يا آنسة نهى دخلت القائمة السوداء، ومش هتخرجي من هنا غير مع أفراد الأمن لتسليم الكارنيهات وكل أجهزة الشركة.
نهى
مسكت في كم أستاذ
 

تم نسخ الرابط