حضن بخمس دقائق.. كسر قسوة المعلم حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

«ممكن تحضنني خمس دقائق؟» سألت بنت العاملة الصغيرة معلم المافيا—فاتجمد في مكانه.
«ممكن تحضنني خمس دقائق؟»
سيد القناوي وقف تقليب الصفحات.
الأوضة بتاعة الفطار الخاصة سكتت خالص لدرجة إن صوت صفير مكنة القهوة في المطبخ اللي جنبه بقى طالع عالي ومخيف.
التلات رجالة اللي قاعدين حوالين الترابيزة خشب الخشب الكبيرة بصلوا للبنت الصغيرة اللي واقفة جنب كرسي سيد.
ميادة كانت عندها أربع سنين.
لابسة بنطلون استرتش أصفر، وكوتشي بينك الفردة بتاعته السكتش بتاعها مفكوك، ولابسة فيست نظافة واسع عليها خالص شكلها سرقاه من عربية أمها تاني.
أرنب قماش رمادي كان مدلدل من إيد.
وإيدها التانية كانت محطوطة على كم جاكيت سيد القناوي.
محدش بيلمس سيد من غير إذن.
لا العمال.
لا المحامين.
ولا حتى الرجالة اللي عشرة معاه بقالهم عشرين سنة.
وأكيد مش عيلة صغيرة داخلة تتسحب في أوض الكلام فيها بيتقال ورا أبواب مقفولة.
حسن الزفر، كبير الحراسة بتاع سيد، قام الأول.
«ميادة.»
البنت بصت له.
«ابعدي عن المعلم سيد.»
سيد رفع صباع واحد.
حسن وقف مكانه.
ميادة بصت لسيد تاني.
«أنت ما رديتش عليا.»
سيد قضى معظم سنين عمره الأربعة والأربعين بيتعلم إزاي يرد لما الرجالة تكدب، أو تهدد، أو تتوسل، أو تفاوض، أو تمد إيدها على السلاح.
محدش دربه على عيلة عندها أربع سنين بتطلب منه حضن بوقت محدد قبل الساعة تمانية الصبح.
«وليه خمس دقائق؟»
ميادة فكرت في السؤال كأن الإجابة المفروض تكون باينة أوي.
«عشان لو أقل مش هينفع.»
حاجة في صدر سيد اتعصرت.
في اللحظة دي، هناء ظهرت عند باب الأوضة.
كارت الممر كان مدلدل من إيدها.
وكوم ملايات ومخدات محشور تحت ذراعها.
الدم هرب من وشها.
«يا نهار أسود.»
حطت الغسيل بسرعة لدرجة إن في كيسين مخدة وقعوا على الأرض.
«ميادة.»
بنتها لفت.
«يا ماما.»
«أنا مش قلت لك تقعدي في أوضة العمال تحت؟»
«زهقت وقعدت لوحدي.»
هناء قربت في الأوضة.
«حقك عليا يا معلم سيد.»
مدت إيدها عشان تاخد ميادة.
البنت الصغيرة قربت أكتر من كرسي سيد.
مش بتستخبى بالظبط.
هي بس اختارت ناحية تقف فيها.
سيد أخد باله.
وهناء أخدت بالها هي كمان.
«آسفة والله العالي،» كررت كلامها. «الست اللي بتاخد بالها منها اعتذرت النهاردة. والست أم صابر قالت لي سبيها معاكي تحت لحد الاستراحة. شكلها مشيت ورا عربية الفطار.»
ميادة صلحت لها:
«أنا مشيت ورا أرنوب.»
هناء غمضت عينها نص ثانية.
«أرنوب كان على العربية.»
«أيوه.»
«يبقى مشيتي ورا العربية.»
ميادة فكرت.
«أرنوب هو اللي مشي ورا العربية الأول.»
واحد من المحامين وطى وشه ناحية فنجان القهوة.
سيد شاف كتافه بتهتز.
«سيبونا لوحدنا،» سيد قال.
المحامي بطل يبتسم.
التلات رجالة بصوا له بذهول.
سيد بص لحسن.
«عشر دقائق.»
حسن فهم.
لم الفايلات.
والباقيين طلعوا وراه.
هناء ما تحركتش.
«يا معلم سيد، أنا هاخدها وأنزل تحت.»
عين سيد فضلت ثابته على ميادة.
«ليه خمس دقائق؟»
إيد هناء اتشدت على كتف بنتها.
«يا باشا—»
«أنا بسألها هي.»
الكلمة طلعت أبرد وأشد مما كان يقصد.
ميادة ما خافتش.
هناء هي اللي خافت.
سيد هدى صوته شويه.
«ليه خمسة؟»
ميادة حضنت الأرنب في صدرها.
«بابا قال لي ده الوقت المضبوط.»
سيد ثبت في مكانه.
وملامح وش هناء اتغيرت.
مش خوف.
حاجة أقرب للوجع.
ميادة كملت كلامها:
«قال لما حد يكون زعلان، تحضنه وتعد.»
أصابعها الصغيرة كانت بتفتح وتقفل على الأرنب القماش.
«واحد ميسيسيبي.. اتنين ميسيسيبي.. لحد ما توصل لتلاتمية.»
سيد مأخدش نفسه.
#حكايات_شروق_خالد
فيكتور سكت لحظة، وبص لـ هناء اللي دموعها اتجمعت في عينها وما قادرة تتكلم. كانت دي المرة الأولى اللي يسمع فيها عن جوزها المتوفي، وعن السبت الثقيل اللي سابه وراه.
نزل فيكتور على ركبته قدام ميادة، ولأول مرة من سنين طويلة، ملامح وشّه القاسية انكسرت. مد إيده وبدأ يعد بصوت واطي ومبحوح:
«واحد ميسيسيبي.. اتنين ميسيسيبي..»
ميادة ابتسمت ورمت دراعاتها الصغيرين حوالين رقبته، وحطت وشها في كتفه. الأوضة كلها كانت ساكتة، وحسن والرجالة بره كانوا باصين من زجاج الباب ومش مصدقين إن "المعلم" اللي بيخاف منه أكابر السوق، قاعد على الأرض بيحسب ثواني الحضن مع عيلة عندها أربع سنين.
لما وصل لـ «تلاتمية»، ميادة بعدت خطوة وسألته بطفولة: «خفيت؟»
فيكتور بلع ريقه، وهز رأسه بالراحة: «خفيت يا ميادة.»
قام وقف وبص لـ هناء اللي كانت بتترعش، وقال بنبرة هادية بس قاطعة:
«من بكرة، شغلك مش هيبقى في النظافة ولا في المساح. هتمسكي إدارة مكتب العلاقات العامة في الشركة، وميادة ليها مكان ثابت في أحسن مدرسة، وتوصيلها وتأمينها عليا أنا شخصياً.»
هناء اتفاجأت وما عرفتش ترد: «بس يا معلم سيد.. أنا—»
قاطعها بصوت هادي: «اللي يسيب وراه بنت بالقلب ده، لازم يطمن عليها وهو فوق.. وميادة من النهاردة في حمايتي.»
بص لميادة وابتسم ابتسامة خفيفة، ووطى وشوشها: «ولما أزعل تاني، هجيلك تحسبيلي الخمس دقائق.. اتفقنا؟»
ميادة هزت رأسها بفرحة وقالت: «اتفقنا يا عمو سيد!»

حضن بخمس دقائق.. كسر قسوة المعلم
#حكايات_شروق_خالد

تم نسخ الرابط