الفطار الأخير ج2 حكايات شروق خالد
أول ما باب الفيلا اتطربق ورايا أنا وسليم، رجليا ما شالتنيش. قعدت على الرصيف بره القصر العالي ده وشديت سليم في حضني فضلت أعيط وأضحك في نفس الوقت. ال 40 ألف جنيه في الشهر مش بس هيسددوا إيجار الشقة المتأخرة، دول هيدخلوا سليم أحسن مركز علاج وسلوك في مصر من غير ما أترجى دكتور ولا أتحط في قائمة انتظار!
تاني يوم الصبح، الساعة كانت 630 بالظبط، كنت واقفة في مطبخ يوسف كمال.
كنت لابسة يونيفورم نظيف، ومجهزة كل حاجة. المرة دي سليم ما كانش معايا، سبته مع الست أم أحمد جارتنا بعد ما أديتها حسابها مرتاح.
الساعة جابت 700 بالثانية.
صوت خطواته على السلم الرخام كان زي الدقات الرنانة. نزل بنفس البدلة الشيك، ونفس الجمود، بس عينه لما جات عليا ما كانتش غريبة زي امبارح.
قعد على السفرة.
قدمتله الفطار شوفان بالحليب الدافي، بس مفصول في أطباق المكسرات المحمصة لوحدها، الفواكه المقطعة مكعبات بالمسطرة لوحدها، وعسل النحل في طبق زجاج صغير.
بص للترابيزة، وبعدين بصلي وقال
أنا ما طلبتش شوفان.
رديت بثقة وهدوء
الشوفان هيدي حضرتك طاقة من غير ما يتقل على معدتك في المواعيد الطويلة، وكل حاجة منفصلة زي ما بتحب.. لو القوام مش عاجبك، الأومليت جاهز في ثواني.
مسك المعلقة. أخد أول معلقة، وبعدها الثانية.. وأكل الطبق كله في صمت تام.
قبل ما يقوم من على الترابيزة، ساب ظرف أبيض مقفول جنب الفنجان.
ده مقدم مرتب الشهر.. وعربيتي هتوصلك كل يوم وترجعك لحد ما تظبطي أمورك.
قال جملته ومشي قبل ما ألحق أشكره حتى.
فتحت الظرف.. كان فيه عشرين ألف جنيه كاش. مسكت الفلوس وإيديا بترتعش. الراجل ده الصرامة بتاعته مش قسوة.. ده سور حاميه من حاجة دمرته زمان.
مرت الأيام.. أسبوع ورا أسبوع.
المطبخ بقى ملكي. عرفت كل تفصيلة صغيرة تخصه. يوسف كمال ما بيحبش النور العالي، ما بيطيقش ريحة الثوم أو التوابل النفاذة، ولا بيستحمل الصوت العالي. كل القواعد دي كانت بالنسبة لأي شيف تاني عذاب، بس بالنسبة لي كانت مفهومة جداً.. لأنها نفس لغة ابني سليم.
في يوم، بعد حوالي شهر، كان فيه عاصفة تراب مطر جامدة في القاهرة. المطر كان بينزل بغزارة والشارع بره مقفول تماماً.
كنت بخلص عشا الساعة 630، بس يوسف ما نزلش في معاده.
لأول مرة من ساعة ما اشتغلت عنده، يوسف يتأخر ثانية واحدة!
الساعة جابت 700.. وبعدين 730.
مفيش أي صوت نازل من الدور الثاني.
قلبي بدأ يأكلني. طلعت السلم بالراحة، ووقفت قدام باب مكتبه. خبطت خبطتين خفاف
أستاذ يوسف؟
مفيش رد.
خبطت تاني وأنا قلقانة أستاذ يوسف.. حضرتك بخير؟
سمعت صوت كركبة جوة، وصوت نفس عالي ومكتوم زي ما يكون حد بيموت!
فتحت الباب بسرعة من غير ما أستأذن.
المكتب كان ضلمة كحل.
ويوسف كمال.. الملياردير صاحب السيطرة والنفوذ.. كان قاعد على الأرض في كورنر المكتب، ضامم ركبه لصدوره، وإيديه على أذنيه بيضغط عليهم بقوة، ونفسه سريع جداً وعرقان بغزارة!
كان بيمر بحالة هلع حادة Panic Attack شادّة مع إثارة حسية من صوت الرعد والمطر العالي بره.
نسيت إنه ولي نغمتي، ونسيت الحدود والقواعد.
في اللحظة دي، ما شفتش الملياردير المحامي.. أنا شفت طفل خايف ومحبوس جوة جسم راجل رافض يصرخ.
نزلت على ركبي على الأرض، بس ما قربتش منه أوي عشان ما أخضوش.
قلت بصوت واطي جداً وناعم ومستقر
أستاذ يوسف.. أنا جيهان. أنت أمان.. الصوت اللي بره ده مطر، ومش هيدخل هنا.
ما ردش، بس جسمه كان بيتفض.
قمت بالراحة، قفلت الشباك الخشب التقيل عشان أعزل صوت الرعد، وجبت بطانية تقيلة من الصالة، ورجعت قعدت قريبة منه على الأرض.
حطيت البطانية على كتفه بالراحة، وقعدت أتنفس بصوت منتظم وعالي شوية عشان يسمع إيقاع نفسي ويمشي عليه
شهيق.. زفير.. شهيق.. زفير.. معايا يا يوسف.. اتبع نفسي.
ولأول مرة.. نطقت اسمه مجرد من ألقاب.
بدأ نفسه يهدى بالتدريج. أطرافه المشنوقة بدأت تفك.
فتح عينيه الرمادي اللي كانت مليانة دموع ومكسورة بشكل يوجع القلب.
بصلي وهو بيحاول يجمع أنفاسه وقال بصوت مبحوح
أنا.. أنا مش مجنون.
ابتسمتله بهدوء وقلتله
عارفة.. أنت بس تعبت من كتر ما شلت كل حاجة لوحدك وبنيت الحيطان دي عشان تحمي نفسك.. ده مش جنون يا يوسف، ده مجرد تعب.
فضل باصصلي، ولأول مرة من يوم ما دخلت الفيلا دي.. شفت يوسف كمال بيترعش ويفرغ كل الخوف اللي كاتمه من سنين.
في الليلة دي، وتحت المطر، السور العالي اللي بناه يوسف حوالين قلبه.. انكسر منه أول حجر بجد.
حكايات_شروق_خالدفضل يوسف قاعد على الأرض مسند راسه على الحيطة، ونفسه بدأ يهدى ويرجع لانتظامه. المكان كان ساكت تماماً، ومافيش غير صوت المطر الخفيف اللي جاي من ورا الشباك الخشب.
مديت إيدي وجبت كاس مية دافية كانت على المكتب وقدمتهوله بالراحة
اشرب شوية مية.. بالهداوة.
أخد الكاس وإيده كانت لسه فيها رشة خفيفة. شرب بقين، وبعدين نزل الكاس على الأرض وقعد يبص للفراغ.
أنا عمري ما أظهرت ضعفي لحد... قالها بصوت هادي ومبحوح، زي ما يكون بيكلم نفسه أكتر ما بيكلمني.
قعدت على الأرض قدامه على مسافة مريحة وقالت بلهجة دافية
ده مش ضعف يا أستاذ يوسف..