الشيطان المستيقظ حكايات شروق خالد
تلات رجالة كبار ثبتوا ابني، عمره ٨ سنين، في مدخل فيلا جده في التجمع الخامس، وانهالوا عليه ضرب لحد ما بقى بين الحياة والموت. لحقت أوصل مستشفى السلام الدولي قبل فوات الأوان، وسمعت الدكاترة بيتكلموا عن تورم في المخ ونزيف داخلي. لكن اللي كسرني بجد كان صوت ابني الضعيف وهو ماسك إيدي وقال
يا بابا... جدو قال إنك مش هتيجي.
كانوا فاكريني مجرد مدير شركة مشغول طول الوقت، ومحدش فيهم كان يتخيل إنه اختار يعادي الشخص الغلط.
أول ما دخلت المستشفى، نور اللمبات البيضا كان بيخبط في عيني، وأنا قاعد في الاستقبال وإيديا مقبوضة لدرجة إن صوابعي بقت بيضا.
الموبايل فضل يرن.
مراتي ندى.
تمان مكالمات فائتة.
لكنها ما ظهرتش.
جارتنا أم سامح قالتلي إن ندى لسه عند بيت أبوها في التجمع، بينما ابني يوسف لقوه ماشي لوحده في الشارع، الدم نازل من ودنه، فردة جزمة ضايعة، ومرعوب.
الدكاترة قالوا إنه عنده ارتجاج شديد في المخ، ولسه بيعملوا كل الفحوصات.
ناداني الدكتور وقال
يوسف فاق... وبيسأل عليك.
دخلت الأوضة، ولما شفته على السرير حسيت الدنيا وقفت.
وشه كله كدمات، ونصه متورم.
أول ما شافني قال
بابا...
مسكت إيده وقلت
أنا هنا يا حبيبي.
دموعه نزلت وقال
حاولت أجري.
قلتله
متتكلمش دلوقتي.
لكنه كمل
جدو اتعصب وقال إنك شايف نفسك أحسن من العيلة.
حسيت الدم اتجمد
عمو حسام مسك دراعاتي... وعمو كريم مسك رجليا.
بلع ريقه بصعوبة وقال
وجدو خبط دماغي في الأرض.
في اللحظة دي حسيت إن نفسي اتقطع.
وبعدين همس
وقال... أبوك مش هنا يحميك.
بست جبينه وخرجت بسرعة قبل ما يشوف اللي على وشي.
طلعت موبايلي.
ما اتصلتش بالشرطة.
اتصلت برقم قديم كنت مقفله من سنين.
أول ما الخط اتفتح قلت بهدوء
أنا محتاج الفريق يجهز.
الراجل سكت ثانية، وبعدين سأل
مين الهدف؟
بصيت من شباك المستشفى على ابني، وأخدت نفس عميق.
بعد عشر سنين من الهدوء...
رجعت الشخص اللي كنت دفنته جوايا.
حكايات شروق خالد
أغلقت الهاتف دون أن أنتظر ردًا آخر. الصوت على الطرف الثاني كان يعرف تمامًا ماذا يعني هذا الاتصال. عشر سنوات كاملة قضيتها وأنا أحاول محو ذلك الماضي، أغلقت الملفات السرية، أسست شركتي الخاصة، وبنيت حياة هادئة ظننت أنها ستحميني وتحمي عائلتي.
لكن يبدو أن الطيبة في مجتمعنا تُفسَّر دائمًا على أنها ضعف.
الالتفاتة إلى الخلف لم تكن خيارًا، بل كانت مسألة حياة أو موت. نظرت إلى يوسف من خلف زجاج الغرفة، الأجهزة المحيطة بجسده الصغير كانت تصدر نغمات منتظمة ورتيبة، نغمات كانت تؤجج النيران داخل صدري مع كل دقة.
نزلت إلى ساحة المستشفى الخارجية، نسمات الهواء الباردة في ذلك الليل لم تفلح في تهدئة غليان دمي. بعد أقل من نصف ساعة، توقفت
داخل السيارة، كان صقر يجلس في مقعد القيادة، وعيونه الحادة تلتقط كل تفصيلة في ملامحي عبر المرآة. صقر لم يكن مجرد زميل قديم، كان ذراعي اليمنى في الأيام التي اعتقدت أنني نسيتها.
قال صقر بنبرة هادئة لكنها تحمل ثقل الجبال
عشر سنين يا قائد.. افتكرناك مِتّ، أو على الأقل نسيتنا.
أخرجت سيجارة وأشعلتها، وهو أمر لم أفعله منذ يوم ولادة يوسف، وقلت وعيني مثبتة على الطريق المظلم
كنت فاكر إني نسيت.. لحد ما لمسوا ابني. حمايا، وولاده حسام وكريم.
صقر ابتسم ابتسامة باردة ومرعبة، وهز رأسه
التجمع الخامس؟ فيلا المستشار؟
أومأت برأسي. ضغط صقر على زر في تابلوه السيارة، لتظهر شاشة رقمية تعرض تفاصيل كاملة عن الفيلا المداخل، المخارج، الكاميرات، وحتى مواعيد حراسة الكومباوند.
الفريق جاهز يا فندم. قطاع الاتصالات تحت السيطرة، والكاميرات في محيط الفيلا هتفصل صيانة لمدة ساعة كاملة تبدأ بعد قليل. مفيش أي دليل هيربطنا بالمكان.
في تلك الأثناء، اهتز هاتفي الشخصي في جيبي. كانت ندى.
أجبت برأس بارد وصوت خالٍ من أي مشاعر
أيوة يا ندى.
جاءني صوتها باكيًا، لكنه كان بكاءً يحمل نبرة الذنب والارتباك
أحمد! أنت فين؟ يوسف مش معايا.. بابا قالي إنه تاه في الشارع وهو بيلعب،
ضحكت ضحكة قصيرة، ضحكة خالية من أي روح، جعلت صقر يلتفت إليّ بطرف عينه. قلت لها
يوسف في العناية المركزة بين الحياة والموت يا ندى. أبوكي وإخواتك دغدغوا دماغه في الأرض عشان يكسروني.
ساد صمت قاتل على الطرف الآخر، صمت أكد لي أنها كانت تعرف جزءًا من الحقيقة، أو على الأقل كانت ضحية لخوفها من عائلتها. تابعتُ قبل أن تنطق بحرف
متتحركيش من مكانك. أنا جاي أخد يوسف.. وجاي أخد حقي.
أغلقت الخط وكسرت الشريحة تمامًا وألقيتها من النافذة.
وصلت السيارة إلى المحيط الخلفي للفيلا. الأضواء كانت خافتة، والهدوء يلف المكان، هدوء ما قبل العاصفة. ترجلت من السيارة، وخلفي ثلاثة من رجال الفريق القدامى، يرتدون ملابس سوداء تدمجهم مع الظلام، ملامحهم جامدة كالصخر.
لم نقتحم الباب. صقر قام بفك التشفير الإلكتروني للبوابة الجانبية في ثوانٍ. تملكني شعور غريب وأنا أخطو داخل مدخل الفيلا.. نفس المكان الذي سقطت فيه دماء ابني قبل ساعات. رأيت بقعة دم صغيرة على الرخام لم تُنظف بعناية.
في تلك اللحظة، مات أحمد المدير المسالم تمامًا.
دخلنا الصالون الكبير. كان حماي يجلس بوقار مصطنع، يمسك بكوب من الشاي، وحسام وكريم يتناقشان بصوت منخفض وعلامات التوتر تظهر عليهما. ندى كانت تجلس في زاوية الغرفة وتبكي.
عندما انفتح
أنت دخلت هنا إزاي يا جدع أنت؟ فاكر