الشيطان المستيقظ حكايات شروق خالد
صمت المحارب الذي أنهى معركته الأولى، لكنه يستعد لحرب أطول.
وصلنا إلى مستشفى السلام الدولي. ترجلت من السيارة بخطوات ثابتة، بينما بقي صقر ورجاله في الأسفل، مرابطين كظلال لا تغيب. صعدت إلى الدور الثالث، حيث يرقد يوسف. ممرات المستشفى التي كانت قبل ساعات تبدو لي كقبر أبيض ضيق، أصبحت الآن تبدو واسعة، وكأن كابوسًا ثقيلًا قد انزاح عن صدري.
عند باب الغرفة، وجدت الطبيب المناوب يخرج بابتسامة خفيفة طمأنت قلبي قبل أن يتحدث
أستاذ أحمد، المعجزة حصلت. النزيف الداخلي وقف تمامًا بدون تدخل جراحي، والجسم بدأ يمتص التورم. يوسف لسه صاحي.. ومصمم مِينامش إلا لما يشوفك.
أومأت له بالشكر، ودفعت الباب ببطء.
كانت إضاءة الغرفة
أول ما رآني، حاول أن يبتسم، رغم الكدمات التي تزين وجهه. تلاشت كل القسوة التي كانت في عيني بالأسفل، وتحولت إلى حنان جارف وأنا أقترب منه، أنحني، وأقبل يده الصغيرة الدافئة.
تأخرت عليك يا بطل؟ سألته بصوت خافت.
هز رأسه ببطء وقال بصوت ضعيف لكنه يحمل نبرة استقرار
كنت عارف إنك هتيجي يا بابا.. أنا قلت لجدو إنك مش بتخاف، وإنك أقوى منهم كلهم.
ابتسمت، ومسحت على شعره برفق
جدو وعمو حسام وعمو كريم سافروا يا حبيبي.. سافروا لمكان بعيد مش هيرجعوا منه تاني هنا. والبيت بتاعهم؟ أنا أخذته عشانك. مفيش
تنهد يوسف بارتياح، وكأن حملًا ثقيلًا قد انزاح عن صدره الصغير، وبدأت عيناه تثقلان بالنوم تحت تأثير المسكنات. وقبل أن يغرق في النوم، همس
أنا بحبك يا بابا..
وأنا بحبك أكتر من عمري يا قلب بابا.
انتظرت حتى انتظم نَفَسه وغرق في نوم عميق وآمن. وقفت عند الشباك، أنظر إلى العاصمة التي بدأت تستيقظ، وأشعة الشمس الأولى تضرب زجاج الغرفة.
في جيبي، اهتز هاتف العمل الجديد، الهاتف الذي أستخدمه لشركتي ولحياتي المدنية. كانت هناك رسالة من المستشار القانوني للشركة، يقول فيها تم تجهيز عقود نقل ملكية فيلا التجمع الخامس، وإجراءات الحجز التحفظي على حسابات وجدي بيه بدأت
ابتسمت ابتسامة باردة. القصاص لم يكن مجرد ضرب وتأديب في المطبخ المظلم؛ القصاص الحقيقي هو اقتلاع نفوذهم، وجعلهم يدركون أن القوة التي كانوا يستندون عليها لم تكن سوى قصر من رمال انهار عند أول مواجهة مع الإعصار.
التفتُّ إلى يوسف، ثم أخرجت الهاتف القديم مرة أخرى، وكتبت رسالة واحدة لصقر
الفريق يفضل في حالة تأهب. أمّنوا المستشفى. حياتنا القديمة انتهت.. وحياتنا الجديدة بدأت بشروطنا نحن.
وضعت الهاتف في جيبي، وجلست على المقعد بجانب سرير ابني، ممسكًا بيده. لم أعد ذلك المدير المشغول الذي يركض خلف الصفقات، بل عِدت الأب، والقائد، والحارس الذي لن يغفل جفنه بعد اليوم.
الشيطان المستيقظ
حكايات