الشيطان المستيقظ حكايات شروق خالد
المحتويات
نفسك مين؟
لم أرد بكلمة. أشرت بيدي فقط.
في أقل من لمح البصر، كان رجلا الفريق قد طرحا حسام وكريم أرضًا. الحركة كانت سريعة وخاطفة لدرجة أن حماي وقف وهو يرتجف، وسقط كوب الشاي من يده ليتهشم على الأرض. ندى صرخت وجرت نحو الحائط وهي غير مستوعبة لما تراه.
تقدمت بخطوات بطيئة وثابتة نحو حماي. كان ينظر إليّ بعيون متسعة من الصدمة.. لم يرَ في حياته هذه النظرة في عيني من قبل.
قلت له بصوت منخفض، كفحيح الأفعى
أبوك مش هنا يحميك.. مش دي الجملة اللي قلتها ليوسف وهو بيموت تحت رجليكم؟
حاول أن يستجمع هيبته وقال بصوت مرتعش
أحمد.. أنت اتجننت؟ أنت عارف أنا مين؟ أنا ممكن أوديك ورا الشمس!
امسكت بياقته ورفعته بقوة لم يكن يتخيل أنني أملكها، وقربت وجهي من وجهه
الشمس اللي بتتكلم عنها دي.. أنا اللي كنت بحدد مين يروح وراها ومين يرجع منها يا سيادة المستشار. عشر سنين وأنا لابس قناع الغلبان عشان أعيش في سلام.. لكنكم صحيتوا الشيطان.
التفتُ إلى صقر وقلت
حسام وكريم.. دراعات ورجلين، زي ما عملوا في يوسف. مش عايز عاهات مستديمة.. عايز وجع يعيش معاهم طول العمر كل ما يمشوا على رجليهم.
بدأت الأصوات تتعالى، صراخ ندى، وتوسلات حماي الذي سقط على ركبتيه لأول مرة في حياته بعد أن أدرك أنه لم يكن
حكايات شروق خالد
بكت ندى وصرخت وهي تحاول الارتماء على أقدامي
عشان خاطري يا أحمد! سيبهم.. بلاش دم يا أحمد، هيموتوا في إيدك!
نظرت إليها نظرة واحدة كانت كافية لتجعلها تتراجع وتصمت، نظرة خالية تماماً من أي ودّ عشنا فيه لسنوات. قلت لها بنبرة جافة
ابنك كان بيموت في المستشفى يا ندى، ودمه لسه على رخام الباب برة.. ومسمعتش صرختك دي ساعتها.
التفتُّ إلى صقر وأومأت له برأسي. في ثوانٍ، سحب رجالي حسام وكريم إلى المطبخ الداخلي المعزول صوتياً، لتبدأ المحاسبة. لم أكن أريد ليوسف أن يتربى وفي قلبه ثأر مكسور، كنت أريد أن يعلم، عندما يكبر، أن والده لم يترك حقه لثانية واحدة.
بقيت في الصالون واقفاُ أمام حماي وجدي بيه وهو ما زال جاثياً على ركبتيه، أنفاسه متلاحقة وعيونه تدور في المحيط برعب لم يذقه من قبل.
سحبت كرسياً خشبياً فخماً، وقبل أن أجلس، قمت بكسر أحد مساند الظهر بقدمي بحركة خاطفة، ثم جلست واضعاً ساقاً فوق ساق، ممسكاً بقطعة الخشب السميكة في يدي، أطرق بها على الأرض بانتظام. طق.. طق.. طق.
أنا مش هلمسك يا وجدي بيه، قلتها وأنا أتأمل قطعة الخشب. سِنّك ومقامك القانوني والاجتماعي يمنعوني.. أنا راجل بحترم
ابتلع ريقه وبدأ يستعيد جزءاً ضئيلاً من أنفاسه، ظناً منه أنني أتراجع، لكنني أكملت
بس المقامات دي بتتداس بالرجلين لما تقرب من ابني. أنت عارف شركتي اللي أنت كنت مستصغرها وشايفني مجرد موظف فيها؟ الشركاء الأجانب بتوعي مش أجانب.. دول واجهات لشبكة علاقات، لو رفعت تليفون واحد دلوقتي، ملفات قضايا الكسب غير المشروع، والرشاوى القديمة اللي أنت دفنتها لما كنت في الخدمة، هتطلع على مكتب النائب العام الصبح.
تغير لون وجهه من الأصفر إلى الأزرق، وهمس بصوت مبحوح
أنت.. أنت مين؟
أنا اللي كان لازم تسأل عنه كويس قبل ما تناسبه، مش بس تسأل عن رصيده في البنك.
في تلك اللحظة، انفتح باب المطبخ. خرج صقر وهو يمسح يديه بمنديل ورقي، وخلفه رجاله يسحبون حسام وكريم. لم يكونوا ينزفون بشكل مبالغ فيه، لكن ملامح وجهيهما وطريقة جلوسهما كانت تقرّ بأن أطرافهما لن تعود كما كانت. كانوا يئنّون بصوت مكتوم، وعيونهم مكسورة تماماً، ينظرون إلى الأرض ولا يجرؤون على رفع أعينهم في عيني.
وقفت، ورميت قطعة الخشب من يدي لتسقط بجانب حماي.
الفيلا دي، بكل اللي فيها، هتتباع الصبح. والشيك المالي بتاعها هيروح لحساب يوسف أحمد في البنك، كتعويض بسيط عن الخضة اللي اتخضها في مدخلها. وإخواتك يا ندى.
نظرت إلى صقر وقلت نظفوا المكان، مش عايز أي أثر هنا.
تحركت نحو الباب بخطوات واثقة، وندى ركضت خلفي وهي تبكي
أحمد! استنى! أنا هأجي معاك.. يوسف ابني أنا كمان!
توقفت عند عتبة الباب، دون أن ألتفت إليها، وقلت بصوت حاسم كالسكين
يوسف ملوش غير أب واحد يحميه.. وأم تدافع عنه مش تخاف من أهلها. ورق طلاقك هيوصلك مع شيك بيع الفيلا.
خرجت إلى حديقة الفيلا، ونسمات الفجر بدأت تشق عتمة الليل. ركبت السيارة السوداء، وأخرجت هاتفي القديم الذي ما زال صقر يحتفظ به شغالاً. اتصلت بالمستشفى.
جاءني صوت الطبيب المناوب أستاذ أحمد؟ يوسف مؤشراته استقرت تماماً، والتورم بدأ يقل.. هو نايم دلوقتي وبيتنفس طبيعي.
أغلقت الهاتف، ولأول مرة منذ ساعات، شعرت بصدري ينفتح للهواء. نظرت إلى صقر في المرآة، وقلت
على المستشفى يا صقر.. وحشني ابني.
حكايات شروق خالد
انطلقت السيارة في شوارع القاهرة الهادئة مع خيوط الفجر الأولى. الشوارع التي كانت تبدو لي بالأمس ملاذًا آمنًا، أصبحت الآن مجرد مسرح أتحكم في خيوطه من خلف الستار.
طوال الطريق، لم ينطق صقر بكلمة. كان يعرفني
متابعة القراءة