لما الفريسة طلعت صيّادة حكايات شروق خالد
إنتوا الاتنين تدخلوا الأول. لو حصلت حاجة، محدش هيسأل كتير.
قالها العميد حمدي الشناوي بهدوء غريب، لدرجة إن منى عبد الرحمن حست بقشعريرة باردة جريت في جسمها.
كانت الساعة قربت على نص الليل في أكتوبر سنة 1998، في مدينة صناعية في صعيد مصر، مدينة كبيرة أغلب أهلها عايشين على شغلهم في مصنع الحديد والصلب الضخم اللي كان مغطي السما بدخان أسود طول اليوم.
من تلات أيام، عشرة مساجين خطرين هربوا أثناء ترحيلهم من السجن، بعد ما هجموا على الحرس وسرقوا سلاحهم واختفوا وسط المناطق الزراعية والبيوت المهجورة.
ومن ساعتها، الشرطة كانت مقلوبة على وشها.
كمائن في الطرق، حملات تفتيش في القرى، مداهمات للبيوت المهجورة، وكل ضابط كان عايز يكون هو اللي يقبض عليهم.
لكن محدش كان يعرف إن الخطر الحقيقي مش المساجين الهاربين بس.
منى عبد الرحمن كانت عندها أربعة وعشرين سنة، وأصغر ضابطة في الوحدة.
كانت تسمع كلام كتير من زمايلها الرجالة.
واحد يقول لها
مكانك في المكتب يا حضرة الضابطة، مش في المداهمات.
وواحد تاني يضحك
خلي الرجالة تتعامل مع المجرمين وإنتِ اكتبي المحاضر.
لكن منى كانت بتسكت.
لأنها كانت عارفة إنها تقدر تضرب نار أحسن من نص الرجالة اللي بيستهزأوا بيها.
أما أختها الكبرى، سلمى عبد الرحمن، فكانت عندها تلاتين سنة، وكانت ضابطة برضه، لكن شخصيتها مختلفة تمامًا.
سلمى ما كانتش بتحب الكلام، وما كانتش بتثق في حد بسهولة.
كانت قوية وهادية، وفي نفس الوقت كانت شايلة مسؤولية أخوهم الصغير المريض، اللي علاجه كان بياكل معظم مرتبها.
في الليلة اللي قبل العملية، رجعت منى لمقر الشرطة علشان تاخد دفتر كانت نسيته.
وهي معدية قدام مكتب العميد حمدي، سمعت صوته من ورا الباب اللي كان مفتوح شوية.
وقفت من غير ما تعمل صوت.
أيوه يا باشا... كل حاجة هتتم زي ما اتفقنا.
سكت لحظة،
رسميًا هنقول إن حصل تبادل ضرب نار. لو قاوموا، يموتوا. ولو حد شاف حاجة مش مفروض يشوفها... يموت هو كمان.
منى حست قلبها وقف.
قربت أكتر من الباب.
سمعت صوت راجل تاني في التليفون، لكنها ما قدرتش تميزه.
العميد حمدي رد
متقلقش. أنا مش هضحي برجالي. هبعت ناس نقدر نستغنى عنهم الأول.
منى رجعت خطوة لورا، وحطت إيدها على بوقها علشان تمنع نفسها من إصدار أي صوت.
فجأة فهمت.
المهمة كلها كانت متخططة.
والشرطة اللي المفروض تنقذ المساجين الهاربين... كان فيها ناس عايزين يقتلوهم.
لكن السؤال اللي خوفها أكتر كان
مين اللي أصدر الأمر؟
تاني يوم الصبح، وقف العميد حمدي قدام خريطة كبيرة وحط صباعه على مبنى قديم.
العشرة موجودين هنا.
كان مبنى مستشفى عمال مهجور على أطراف المدينة، مبنى بقاله سنين مقفول، والنار كانت شغالة فيه بالليل من وقت هروب المساجين.
قال العميد
منى وسلمى هتدخلوا الأول.
بص لمنى.
هتقولوا إن عربيتكم عطلت وإنكم تايهين وبتدوروا على مكان تباتوا فيه.
وبعدين بص لسلمى.
اتنين ستات لوحدهم مش هيشكوا فيهم.
سلمى فضلت ساكتة.
العميد كمل
أول ما تتأكدوا إن العشرة موجودين، ادوا تلات ضغطات على اللاسلكي. فرقة النقيب شريف هتكون مستنيا على بعد مية متر.
النقيب شريف منصور، ضابط قديم وخبرة سنين، كان واقف بعيد بيسمع.
ولما العميد مشي، قرب من الأختين.
قال بصوت واطي
أنا مش مرتاح للعملية دي.
سلمى بصت له.
ليه؟
مية متر مسافة كبيرة لو حصل لكم حاجة. المفروض الفريق يكون أقرب.
منى قالت
يعني حضرتك شايف إن في حاجة غلط؟
شريف بص حواليه قبل ما يرد.
أنا شايف إنكم لازم تفضلوا صاحيين لحد آخر لحظة.
سلمى خدت جهاز اللاسلكي وحطته تحت الجاكت.
وبصت لأختها.
خايفة؟
منى بلعت ريقها.
جدًا.
سلمى ابتسمت ابتسامة بسيطة.
كويس.
منى استغربت.
كويس إزاي؟
الخوف بيخلي الواحد
بعد ساعة، سابوا العربية على بعد حوالي نص كيلو من المستشفى.
كانت الدنيا بتمطر مطرة خفيفة، والهواء بارد، والطريق كله طين.
مبنى المستشفى ظهر قدامهم في الضلمة زي شبح ضخم.
شبابيك مكسورة.
أبواب صدية.
وممرات غارقة في السواد.
لكن من الدور التالت كان فيه ضوء نار ضعيف بيتحرك على الحيطان.
منى قربت من أختها.
هما هنا فعلًا.
سلمى ردت بهدوء
عارفة.
طلعوا السلم.
لكن قبل ما يوصلوا للدور التاني، ظهر قدامهم راجل ضخم ماسك بندقية.
استنوا!
الاختين وقفوا.
بص لهم من فوق لتحت.
إنتوا مين؟
سلمى بدأت ترتعش بإيديها.
عربيتنا عطلت... إحنا تايهين ومش عارفين نروح فين.
الراجل ضحك بسخرية.
تايهين؟
منى قالت بصوت ضعيف
أيوه... والنبي ساعدنا.
الراجل فتح الباب وأشار لهم.
اطلعوا.
دخلوا.
كانوا عشرة رجال قاعدين حوالين برميل نار في وسط قاعة كبيرة.
أسلحة مرمية جنبهم.
وبعضهم كان بيشرب وبيتكلم بصوت عالي.
أول ما شافوا الأختين، الكلام كله سكت.
راجل ضخم كان قاعد في النص قام ببطء.
كان اسمه زكريا الجزار، واحد من أخطر المساجين الهاربين.
ابتسم وهو بيبص لهم.
يا خبر!
ضحك.
هو إحنا حظنا حلو كده؟
واحد من الرجالة قال
شكلهم ضايعين فعلًا.
زكريا قرب منهم.
اتنين ستات يمشوا لوحدهم في الوقت ده وتدخلوا هنا برجليكم؟
منى فضلت باصة للأرض، لكن عينيها كانت بتتحرك بسرعة.
واحد... اتنين... تلاتة...
كانت بتعد الأسلحة.
باب على اليمين.
شباك مكسور في الخلف.
سلم يؤدي للدور اللي فوق.
وتلاتة رجالة واقفين قريب منهم.
سلمى كانت بتعمل نفس الحاجة.
لكن واحد من الموجودين لفت نظرها.
كان راجل نحيف، لابس نضارة مكسورة، وهادئ بشكل غريب.
ما كانش بيتفرج عليهم زي الباقيين.
كان بيراقبهم.
كأنه عارف إن في حاجة مش طبيعية.
أما الراجل التاني، فكان اسمه رجب الديب.
ضخم الجسم، قليل
وفجأة، ابتسامة زكريا اختفت.
قال
بس عندنا مشكلة صغيرة.
منى رفعت عينيها.
زكريا قرب خطوة.
إنتوا شفتوا وشوشنا.
سكت لحظة.
وبعدين قال
وإحنا مش محتاجين شهود.
تلاتة من الرجال وقفوا في نفس اللحظة.
منى بصت لأختها.
سلمى بصت لها.
ما اتكلموش.
لكن في ثانية واحدة، كانت كل واحدة فيهم فهمت رسالة التانية.
سلمى قربت إيدها من جنبها.
منى أخدت نفس طويل.
زكريا ابتسم.
كنت فاكر إنكم اتنين ستات غلبانين دخلوا علينا بالغلط.
وبعدين أشار لواحد من رجاله.
خدهم على
قبل ما يكمل جملته، منى مدت إيدها بسرعة تحت الجاكت.
وسحبت المسدس اللي كانت مخبياه.
صوت سحب السلاح قطع سكون المكان.
كل العيون اتجهت ناحيتها.
منى ما صرختش.
ما انهارتش.
بصت لأختها بس.
وسلمى قالت بهدوء
دلوقتي.
وفي اللحظة اللي رجالة العصابة فهموا إن الستين اللي قدامهم مش ضحايا...
كان الوقت فات.
سبع دقايق بس كانت كفاية علشان نفس الرجال اللي كانوا بيضحكوا من شوية يتحولوا لرجالة مرعوبين، بيتوسلوا علشان يعيشوا.
لكنهم ما كانوش يعرفوا إن اللي حصل جوه المستشفى ما كانش مجرد كمين للشرطة.
كان فيه شخص تاني، أخطر منهم كلهم، هو اللي أصدر الأمر بقتل الأختين.
والأخطر من كده...
إن الشخص ده كان موجود في مكان قريب جدًا منهم، وكان بيتابع كل حاجة بتحصل من خلال جهاز لاسلكي.
حكايات شروق خالد
صوت أنفاس الرجالة بقى أعلى من صوت المطر اللي كان بيخبط على الشبابيك المكسورة.
منى كانت واقفة، المسدس في إيدها، وعينيها ثابتة على زكريا.
سلمى كانت وراها بخطوتين، ماسكة سلاحها هي كمان.
زكريا رفع إيده ببطء.
بالراحة يا حضرة الضابطة.
الكلمة نزلت على المكان زي الصاعقة.
واحد من الرجالة بص للتاني.
ضابطة؟!
منى ابتسمت ابتسامة باردة.
أخيرًا فهمتوا.
رجب الديب كان لسه واقف مكانه، لكن عينيه
سلمى لاحظت.
متتحركش.
رجب وقف.
أنا مش هتحرك.
إيديك فوق راسك.
نفذ من غير جدال.
منى قالت
كل واحد يرمي سلاحه قدامه.
واحد من الرجال تردد.
منى وجهت المسدس ناحيته.
قلت