قصه كامله

لمحة نيوز


الحفل، رحنا كلنا للمكان.
المكتب كان صغيرًا ومليان تراب، لكن كل شيء فيه كان متروكًا كأن صاحبه خرج منه من يومين.
على المكتب كانت صورة والد طارق.
وتحتها دفتر قديم.
طارق فتحه.
صفحات كثيرة كانت عبارة عن ملاحظات وأرقام، لكن في آخر صفحة كان فيه سطر واحد
لو وصلت لهنا يا طارق، يبقى عرفت إن الثروة مش هدف وإن المسؤولية هي الاختبار الحقيقي.
طارق ابتسم.
لكن أسفل الجملة كان فيه عنوان.
عنوان مستودع قديم.
قلت إيه ده؟
قال مش عارف.
رحنا للمستودع في اليوم التالي.
وبعد بحث طويل، وجدنا صندوقًا خشبيًا.
فتحناه.
لم يكن فيه ذهب ولا أموال.
كان فيه عشرات الملفات.
كل ملف باسم شاب كان والده قديمًا يساعده في الدراسة أو التدريب.
طارق قلب الملفات واحدًا وراء الآخر.
وقال
أبويا كان بيساعد الناس من غير ما حد يعرف.
حماتي، التي كانت معنا، بدأت تبكي.
طول عمره كان يقول لي الخير اللي بيتعمل عشان الناس تشوفه، بيخلص لما الناس تنساه.
طارق سكت طويلًا.
ثم قال
أنا فهمت دلوقتي.
قلت فهمت إيه؟
قال
هو ماكانش عايزني أورث فلوسه كان

عايزني أورث طريقته.
وفي نفس اليوم، اتخذ طارق قرارًا جديدًا.
كل عام، المؤسسة هتختار مجموعة من الشباب وتساعدهم بالكامل، بشرط واحد
بعد ما ينجحوا، يساعدوا شخصًا آخر.
مروان كان بيسمع الكلام كله.
وفجأة قال
يعني الخير لازم يفضل ماشي؟
طارق ابتسم.
بالضبط.
مروان فكر لحظة وقال
لما أكبر، هساعد حد يبقى طيار.
طارق وضع يده على كتفه.
وأنا هكون أول واحد فخور بيك.
وبينما كنا خارجين من المستودع، وقفت لحظة وبصيت للسماء.
افتكرت اليوم الأول.
اليوم اللي ركبت فيه أنا ومروان الطيارة من ورا طارق عشان نعمل له مفاجأة.
ماكنتش أعرف وقتها إن المفاجأة الحقيقية مش هتكون لطارق أصلًا.
المفاجأة كانت إننا هنكتشف حكاية عيلة كاملة، مبنية على التضحية والستر ومساعدة الناس.
ومن وقتها، بقى عندنا سؤال واحد بنكرره كل سنة
مين الشخص اللي هنفتح له باب السنة دي؟
وكانت الإجابة دائمًا واحدة
أي حد عنده حلم ومحتاج حد يصدقه. أكيد، دي نهاية مقفولة ومؤثرة للقصة
مرت خمس سنين.
مروان بقى عنده 12 سنة، ولسه محتفظ بالرسمة القديمة اللي كتب عليها
أحسن
طيار في الدنيا.
لكن المرة دي، هو اللي رسم طيارة جديدة.
وتحتها كتب
بابا وأنا كمان هبقى طيار.
طارق أخد الرسمة، وسكت شوية.
وبعدين قال
لو ده حلمك بجد، هساعدك توصله.
مروان ابتسم
زي ما جدو ساعدك؟
طارق بص لي، ثم بص للصورة القديمة المعلقة في البيت.
بالظبط.
وفي نفس اليوم، اجتمعت العيلة كلها في بيت حماتي.
علّقنا صورة والد طارق وعم حسن في مكان واضح، وتحتها لوحة صغيرة مكتوب عليها
الحلم لا يموت طالما فيه حد يؤمن بيه.
طارق وقف قدام الصورة وقال
أنا قضيت سنين فاكر إن أكبر إنجاز في حياتي إني بقيت طيار.
ثم بص لمروان.
لكن دلوقتي عرفت إن أعظم إنجاز هو إنك تخلي غيرك يقدر يحلم.
مروان قرب من الصورة وقال
شكرًا يا جدو.
ثم سأل
هو لو كان موجود، كان هيفرح؟
طارق ابتسم والدموع في عينه
كان هيفرح جدًا.
بعدها خرجنا كلنا للمدرج.
كانت طيارة طارق تستعد للإقلاع.
مروان وقف يتفرج عليها.
مسك إيدي وقال
ماما، فاكرة أول مرة ركبنا الطيارة من ورا بابا؟
ضحكت
طبعًا.
قال
لو كنا عرفنا اللي هيحصل بعدها، كنا عملنا المفاجأة بدري.
ضحكت
وقلت
يمكن كان لازم تحصل في وقتها.
طارق سمعنا، فاقترب وقال
أنا عندي سؤال أهم.
قلت
إيه؟
ابتسم وقال
المرة الجاية ناويين تعملوا لي مفاجأة إيه؟
بصيت لمروان.
مروان بص لي.
واتفقنا من غير كلام.
قلنا في نفس الوقت
مش هنقول!
ضحك طارق.
ومشينا إحنا التلاتة جنب بعض.
وأنا بصيت للسماء وافتكرت كل اللي حصل.
رحلة بدأت بزوجة وابن قرروا يعملوا مفاجأة بسيطة لزوج وأب.
لكن الرحلة دي كشفت سرًا قديمًا، وأعادت حقًا ضاع لسنين، وخلّت حلم رجل واحد يتحول إلى فرصة لمئات الشباب.
والأهم من كل ده
إن مفيش حد في عيلتنا بقى يسأل
إحنا ورثنا إيه؟
بقينا نسأل
إحنا هنورّث إيه للي بعدنا؟
ومن يومها، كل ما مروان يركب الطائرة مع والده، يقعد في أول صف، ويبص للكابينة بفخر.
وفي أول رحلة له وحده مع طارق، قال في المايك قبل الإقلاع
أنا مروان ابن أحسن طيار في الدنيا.
طارق ضحك.
والركاب صفقوا.
أما أنا
فكنت قاعدة وراهم، وبضحك ودموعي نازلة.
لأني عرفت إن أجمل مفاجأة في حياتنا كلها
ماكانتْش إننا ركبنا طيارة جوزي من وراه.
كانت إننا اكتشفنا إن
الحب الحقيقي ممكن يعيش سنين، وينتقل من أب لابنه، ومن جيل لجيل
ويفضل طاير مهما مر عليه الزمن.
تمت بحمد الله

 

تم نسخ الرابط