عروش من زجاج حارسة القصر حكايات شروق خالد
زعيم عصابة يقرر توظيف مدبرة منزل من ذوات المقاسات الكبيرة لأبنائه الأربعة المكسورينلكنهم توسلوا إليها ألا ترحل
في سن السابعة عشرة، كان أدهم الجمال قد تعلم أن اسم عائلته كفيل بإخفاء معظم المشاكل.
يحضر المحامون. ويتغير أسلوب المسؤولين. وفجأة يصبح الكبار حذرين للغاية.
لكن في ذلك بعد الظهر، وأثناء جلوسه في مركز الشرطة بالقاهرة بينما جف الدم تحت أنفه وبانتظاره عقوبة إيقاف عن الدراسة لمدة ثلاثة أيام، فعل أدهم شيئاً لم يتوقعه أحد.
ناوله الضابط هاتفاً.
بمن نصل؟
حدق أدهم في الأرقام.
ليس بوالده الملياردير.
ولا بأحد المحامين.
بأمينة.
راجع الضابط الأوراق.
والدتك؟
لا.
وصيتك؟
لمس أدهم شفته المشقوقة.
لا. فقط اتصل بها.
قبل ستة أشهر، كان هذا الخيار مستحيلاً.
في ذلك الوقت، كانت أمينة مجرد مدبرة منزل جديدة طائشة بما يكفي لتعتقد أن بإمكانها الصمود في قصر الجمال.
أربع مدبرات منزل كن قد استقلن بالفعل خلال أربعة عشر شهراً.
حكايات_شروق_خالد
وقد حرص أبناء جلال الجمال الأربعة على تحقيق ذلك.
والدتهم متوفاة. ووالدهم تقريباً لا يتواجد في المنزل أبداً. وكل أخ منهم وجد طريقته الخاصة لتحويل الحزن إلى شيء خطير.
وكانت طريقة أدهم هي الغضب.
في أول صباح لأمينة، دخل إلى المطبخ، وأمسك بالإفطار الذي أعدته، وسكب الطبق بأكمله في سلة المهملات.
تجمد اثنان من أفراد طاقم الخدمة في مكانهما.
نظر أدهم إليها مباشرة.
قاعدة جديدة أنا لا آكل أي شيء لم أطلبه بنفسي.
حدقت أمينة في الطبق الفارغ.
ثم فتحت جهاز تسخين الطعام بكل هدوء.
لقد أعدت حصتين.
وضعت الطبق الثاني أمامه مباشرة.
وقالت أدوات المائدة في الدرج، إلا إذا كانت قاعدتك الجديدة تتضمن الأكل بيديك.
تغيرت تعابير وجه أدهم.
لم يسبق لأحد أن تحدث معه بهذه الطريقة.
ولم يكن أحد في ذلك المنزل يعلم ما حملته أمينة معها بهدوء عندما دخلت من الباب الأمامي.
ولا حتى أدهم.
حكايات_شروق_خالد
ما لم يكن يعلمه أدهم أو أي شخص آخر، هو أن أمينة لم تكن مجرد امرأة صبورة أو قوية الشخصية فحسب، بل كانت تحمل ذكاءً حاداً وحنكة ربّتها عليها سنوات طويلة من مواجهة الحياة الصعبة. كانت تفهم تماماً أن هؤلاء الشباب الأربعة ليسوا أشراراً بأسلوبهم، بل أطفال مكسورون يغطون حزنهم على رحيل أمهم بطبقات من القسوة والطيش.
في الأسابيع التالية، بدأ الإخوة الأربعة محاولاتهم المعتادة لتطفيش أمينة، تماماً كما فعلوا مع من قبلها
طارق الأخ الأكبر 22 سنة حاول إرهابها بنفوذه وأسلوبه البارد، فكان يترك غرفته في حالة غوضى عارمة ويلقي بأوراقه المهمة على الأرض. ردت أمينة بجمع كل شيء وتنظيمه في ملفات معنونة بدقة، مع كتابة ملاحظة صغيرة العقل المرتب يبدأ من الغرفة المرتبة.
أدهم 17 سنة واصل استفزازها بغضبه المستمر وتأخره عن المنزل. كانت تنتظره دائماً بوجبة داية، دون أن توجّه له لوماً، بل تكتفي بنظرة حنونة وقولها الأكل يسخن لك في المطبخ.
كريم وشريف التوأم 15 سنة حاولا تدبير المقالب لها، كوضع مقالب حركية في المطبخ أو إخفاء أدوات التنظيف. كانت تكتشف اللعبة وتشاركهم الضحك، بل وتبهرهم بأكلات ومخبوزات لم يذوقوا مثلها منذ وفاة أمهم.
شيئاً فشيئاً، بدأت هذه السيدة ذات الروح الدافئة والابتسامة المطمئنة تكسر الجليد حول قلوبهم. لم تتعامل معهم كأبناء زعيم عصابة يخافهم الجميع، بل كأولاد يحتاجون إلى أذن تسمعهم وقلب يحتوي حزنهم.
وعندما جاء اتصال شرطة القاهرة ليلة حادثة أدهم، لم تتردد أمينة لحظة. وصلت إلى المركز، وبشخصيتها القوية التي فرضت احترامها على الجميع، أنهت الإجراءات واصطحبت أدهم إلى السيارة.
في طريق العودة، جلس أدهم بجوارها صامتاً ينظر من الشباك، قبل أن يقول بصوت خافت ولأول مرة
ليه جيتي؟ كان ممكن تسيبيني.
التفتت إليه أمينة بابتسامة دافئة وقالت علشان لما حد من ولادي يقع، أنا اللي بمسك إيده.. مش الشرطة.
حكايات_شروق_خالد
وبعد أشهر، عندما عاد جلال الجمال الأب إلى القصر وقرر في لحظة غضب بسبب تدخلاتها في حماية الأولاد من نزواته القاسية أن يستغني عن خدماتها، حدث ما لم يتوقعه أحد في تاريخ العائلة.
وقف الإخوة الأربعة صفاً واحداً أمام والدهم الملياردير الذي يخشاه الجميع، وقالوا بصوت واحد وقاطع
لو أمينة مشت من البيت ده.. إحنا كمان هنمشي ومش راجعين.
ساد الصمت أرجاء الصالة الواسعة. حدق جلال الجمال في أبنائه الأربعة بشرار يتطاير من عينيه، غير مصدق أن الرِجال الذين فشل في إخضاعهم بنفوذه وقسوته، يقفون اليوم كالسد المنيع لحماية هذه