الفطار الأخير ج1 حكايات شروق خالد

لمحة نيوز


يوسف خد باله.
ابنك استثناء النهاردة بس.
فاهمة حضرتك.
مافيش رغي مالوش لازمة.
كنت هبتسم أو أضحك.
تقريباً.
بس شفت وشه.
كان بيتكلم بجد ومفيش هزار.
أنت بتحب الهدوء أوي.
أنا بحب الحاجة تبقى ماشية بالمسطرة وتتوقع.
الطريقة اللي قال بيها الكلمة خليتني أقف مكاني.
دي مش مجرد مزاج.
ده كان احتياج.
سألته إيه الأكل اللي بتكرهه أو بتتجنبه؟
أي حاجة ممكن تتعمل بشرط أكون مراجعها وموافق عليها الأول.
عندك حساسية من حاجة؟
لا.
قوام الأكل؟
فك أسنانه اتشد شوية.
أنا خدت بالي.
قوام الأكل بيبايقك.
بحب الأكل يبقى ملمسه ثابت ومش معجون في بعضه.
كان في حاجة مستخبية ورا الكلام ده.
حاجة ماكنتش فاهمة أصلها إيه لسه.
طب بالنسبة للبهارات؟
خفيفة جداً.
الصوصات؟
بره الأكل.. على جنب.
حاجات متقلبة على بعضها؟
يوسف بصلي.
ولأول مرة أخد بالي إنني ماكنتش باخد طلبات أكل.
أنا كنت بتعلم القواعد بتاعة بني آدم قضى حياته كلها بيبني سور عالي حوالين نفسه.
وماكنتش أعرف إن فطار واحد بسيط هيبقى أول خبطة تكسر السور ده.
مسكت نفسي بالعافية، وحاولت أركز في الشغلانة اللي قدامي. القوانين كانت صارمة، والمكان كله يوتر، بس عينيا على ال 40 ألف جنيه وعلى سليم.
وقف يوسف يبص على الساعة الدهب اللي في إيده وقال
قدامك نص ساعة. تحضري فطار ليا، ولابنك لو حابب. أنا هكون في المكتب فوق.
سابنا ومشي، وصوت خطواته الرزينة كان بيهدى بالتدريج لحد ما اختفى.
أنا وسليم فضلا واقفين في المطبخ اللي شبه المطبخ الإيطالي بتاع الفنادق. فتحت الثلاجة الضخمة.. كانت متستفة أكل يفتح النفس، بس كل حاجة محطوطة بالمسطرة، العلب شفافة ومترتبة بالألوان، كان بيني وبين نفسي بقول الراجل ده بياكل القواعد وبينام عليها!
افتكرت كلامه عن الأكل مش معجون في بعضه.. الصوص بره.. ملمسه ثابت.
الكلام ده كان معناه إنه ما بياكلش الأكل التقليدي اللي فيه لخبطة ولا المسبكات. ده أسلوب بني آدم عنده حساسية شديدة من القوام، زي الحس الحسي اللي عند سليم بالظبط!
سليم قعد على الكرسي المرتفع بتاع المطبخ، وكان ساكت ومبتسم، بيبص على النور اللي مدخلة الشباك الكبير.
طلعت بيض طازة، وتوست أبيض، وشوية توست بني، وزبدة بلدي صفرا، مع كمية خضار طازة طماطم شيري، خيار، أفوكادو.
قررت أعمل حاجة بسيطة، بس متقنة بالملي.
عملت بيض عيون بس مستوي بنسبة 100 بحيث الصفار ما يسيلش أو يلغبط عشان قوام الأكل، وتحمصت التوست بدرجة ذهبية مظبوطة جداً. وحطيت قطع الأفوكادو والخيار مقطعة مكعبات متساوية بالمسطرة في أطباق صغيرة منفصلة. والصوصات مربى وبسطرمة متحمرة ناشف كل حاجة في طبق لوحدها عشان مفيش حاجة تلمس الثانية.
بالنسبة لسليم، قطعتله التوست على شكل مربعات متساوية، مع شوية خيار مقشر ومغسول كويس.
قبل السابعة بدقيقتين، كان الفطار محطوط على الترابيزة الرخام اللي في السفرة.
الساعة جابت سبعة بالثانية، يوسف نزل.
نزل وهو ماسك ملفات في إيده، قعد على رأس الترابيزة من غير ما ينطق ولا كلمة.
بص للطبق.
الهدوء كان سيد المكان.
يوسف مسك الشوكة والسكينة. بص للبيض، للتوست، وللأطباق الصغيرة اللي فيها كل مكون لوحده.
عينه راحت للتقطيعة المظبوطة والمساحات الفاضية بين كل طبق وطبق.
خد أول قطمة.
مضغ ببطء شديد.
عينه غمضت لثانية واحدة.. ثانية واحدة بس، بس أنا لقطتها.
الراجل ده بقاله سنين مابياكلش أكل طعمه حلو ومعمول بنظام يريّحه من غير ما يجبره يطلب التفاصيل دي.
سليم كان بياكل التوست بتاعه بالراحة، ولما يوسف بص ناحيته، سليم بصله وقال بصوت واطي
الأكل مش متلخبط.
يوسف ساب الشوكة بالراحة، وبص لسليم، وبعدين بصلي.
النظرة المرة دي ماكنتش باردة زي الأول. كان فيها اندهاش.
أنتي عملتي ده إزاي؟ يوسف سأل بصوت هادي.
قلتله وأنا ماسكة إيد سليم
سليم عنده اضطراب معالجة حسية. الأكل لما بيتمزج ببعضه أو يكون قوامه مش معروف، بالنسبة له بيبقى مصدر قلق كبير.. أنا متعودة أفهم اللغة دي من غير ما تتقال.
يوسف فضل ساكت.
السكوت المرة دي ماكانش يخوف.. كان سكوت بني آدم اتفهم لأول مرة في حياته من غير ما يشرح ولا يدافع عن نفسه.
حط الفوطة جنب الطبق، وقام وقف.
بصلي وقال بصوت هادي بس محدد
المواعيد زي ما اتفقنا.. هتبدأي من بكره.
وبص لسليم وقاله
الخط الأسود في الرخام.. هيكمل بكره يا سليم.
خرج يوسف من السفرة، وأنا حطيت إيدي على قلبي واتنفست لأول مرة من ساعة ما دخلت الفيلا.
الفطار ده ما كانش مجرد أكل، كان المفتاح اللي فتح أول باب في قصر مقفول بالضبة والمفتاح.
حكايات_شروق_خالد

تم نسخ الرابط