أبوها مات من 6 سنين ج1 . حكايات شروق خالد
الجزء الأول
مين أصلًا ممكن يحب واحدة تخينة للدرجة دي؟
صوت سامح كان عالي لدرجة إن عازف البيانو في مطعم ليالي النيل غلط في النغمة، والمكان كله سكت للحظة.
كنت واقفة جنب ترابيزة رقم 12، ماسكة صينية فضية عليها كوبايتين عصير ومعلقة صغيرة عليها بواقي جاتوه شوكولاتة.
ريحة الأكل والعطور الغالية كانت مالية المكان، وأنا كنت بحاول أركز في شغلي وأعمل نفسي مش سامعة.
لكن سامح ماكانش ناوي يسيبني.
كان قاصد.
هو اللي اختار الترابيزة دي.
هو اللي طلب إني أنا اللي أخدمهم.
وهو اللي كان مستني اللحظة دي من شهور.
قعد قدامي حاطط إيده حوالين خطيبته الجديدة، نادين، بنت من عيلة غنية، لابسة فستان أبيض غالي وبتصور كل حاجة بالموبايل.
سامح ابتسم ابتسامة مستفزة وقال
إنتِ فاكرة يا منار إني هفضل مستنيكي للأبد؟
بصيت له من غير ما أرد.
أربع سنين.
أربع سنين وأنا فاكرة إن الراجل ده بيحبني.
أربع سنين وأنا واقفة جنبه في كل أزمة.
لما كان مفلس، كنت بساعده.
لما اتطرد من شغله، كنت أنا اللي بدفع إيجار الشقة.
ولما أمه احتاجت عملية، بعت دهبي عشان أساعده.
وفي الآخر؟
اتجوز واحدة تانية.
والأسوأ إنه قرر يعلن خطوبته قدامي.
في الشغل.
قدام الناس.
وقدام الكاميرات.
خبط سامح المعلقة في الكوباية.
يا جماعة، محدش يزعل مني.
الناس بدأت تضحك.
رفع إيده وقال
أنا بس عايز أقول حاجة بصراحة.
بص لي من فوق لتحت.
أنا كنت فاكر إن الشكل مش مهم.
ضحك.
طلع مهم جدًا.
ضحكة عالية طلعت من ترابيزة قريبة.
واحد رفع موبايله وبدأ يصور.
واحدة قالت لصاحبتها
يا نهار أبيض، ده قليل الذوق أوي.
لكنها ماعملتش حاجة.
مدير المطعم، عماد، كان واقف عند الكاونتر.
بص لي.
وبعدين بص لسامح.
ولما شاف إن سامح من الزباين المهمين، عمل نفسه مش شايف.
إيدي شدت على الصينية.
الحافة المعدنية دخلت في كف إيدي.
الألم كان بسيط.
بس كرامتي كانت بتتقطع أكتر.
سامح قرب مني وقال بصوت واطي، لكنه كان متعمد إن اللي حواليه يسمعوا
بصي يا منار إنتِ لازم تفهمي إن واحدة زيك صعب حد يختارها.
اتجمدت.
نادين بصت له.
ولأول مرة، ابتسامتها اختفت.
لكن سامح كمل.
أنا دلوقتي اختارت واحدة تليق بيا.
ساعتها حصلت حاجة غريبة.
أنا ماعيطتش.
ماصرختش.
وماطلبتش منه يرحمني.
بس بصيت له وقلت
مبروك.
هو ضحك.
بس كده؟
أيوه.
مش هتعيطي؟
هزيت راسي.
لا.
مش هتترجيني أرجع؟
بصيت في عينه.
أنا لو فضلت أحبك بعد اللي عملته يبقى أنا اللي محتاجة علاج.
ضحك كام شخص.
لكن سامح وشه اتغير.
واضح إن الرد وجعه.
وقبل ما يرد
صوت كرسي بيتسحب على الأرض قطع الكلام.
كل الرؤوس اتلفت.
راجل كان قاعد في آخر المطعم قام.
بدلة سودا.
ساعة شكلها أغلى من البيت اللي ساكنة فيه.
وشه هادي بشكل يخوف.
ومعاه اتنين رجالة، أول ما قام وقفوا وراه.
همس واحد من العمال
يا ساتر ده حاتم الدمنهوري.
اسمه كان معروف في القاهرة كلها.
رجل أعمال.
مالك شركات نقل ومخازن ومقاولات.
لكن الناس اللي عايشة في المناطق الشعبية كانت بتقول عنه كلام تاني.
كانوا بيقولوا إن محدش يقدر يلعب معاه.
وإن اللي يدخل معاه في عداوة
بيختفي من غير ما حد يعرف راح فين.
حاتم مشي ناحيتنا بهدوء.
سامح بدأ يتوتر.
حاتم وقف قدامي.
بص على الصينية.
وبعدين على إيدي اللي كانت بتنقط دم.
قال بصوت منخفض
حطيها.
بصيت له.
إيه؟
الصينية.
حطيتها على الترابيزة.
وبعدين مسك إيدي.
اتوترت.
كان ممكن أبعد.
لكنه ساب إيدي فورًا.
وبص في عيني.
ثانية.
اتنين.
وبعدين قرب
وباسني.
المطعم كله اتجمد.
أنا نفسي ماكنتش فاهمة اللي حصل.
حاتم بعد عني بهدوء.
سامح انفجر
إنت بتعمل إيه يا حيوان؟!
حاتم بص له.
إنت بتتكلم معايا؟
سامح بلع ريقه.
دي خطيبتي السابقة!
حاتم ابتسم ابتسامة باردة.
غلط.
سكت لحظة.
دي واحدة محترمة وإنت كنت واقف تهينها قدام الناس.
سامح حاول يضحك.
وإنت مين أصلًا؟
واحد من رجالة حاتم قرب منه.
لكن حاتم رفع إيده.
سيبه.
وبص لسامح
خليه يتكلم.
سامح قال
إنت فاكر نفسك مين؟
حاتم رد بهدوء
الشخص اللي هتفتكر اسمه كويس جدًا من النهارده.
الصمت نزل على المكان.
حاتم حط مبلغ كبير على الترابيزة وقال لمدير المطعم
الحساب كله عليا.
وبعدين بص لي.
تعالي.
اتوترت.
فين؟
برا.
خرجت وراه رغم إني ماكنتش عارفة ليه.
يمكن كنت عايزة أهرب من نظرات الناس.
يمكن كنت عايزة أفهم هو مين.
أو يمكن
كان جوايا إحساس غريب إن اللي حصل ده مش صدفة.
خرجنا للشارع.
المطر كان نازل خفيف، ونور العربيات منعكس على الأسفلت.
حاتم وقف جنب عربية سودا فخمة.
بص لي وقال
اسمك منار، صح؟
رجعت خطوة.
إنت عرفت اسمي منين؟
ما ردش.
قلت
أنا عمري ما شفتك قبل كده.
قال
أنا شوفتك.
فين؟
أكتر من مرة.
قلبي دق بسرعة.
إنت كنت بتراقبني؟
كنت بتابع حاجة تانية.
إيه؟
بص لي للحظات.
سامح.
اتصدمت.
سامح؟
هز راسه.
إنتِ فاكرة إن اللي حصل جوه المطعم كان أول مرة أشوف فيها الراجل ده؟
ماعرفتش أرد.
واحد من رجاله قرب بسرعة.
يا حاتم باشا الفيديو نزل.
فتح الموبايل.
الفيديو كان منتشر.
صورتي وأنا واقفة.
ضحكات الناس.
سامح وهو بيهينني.
وبعدين
العنوان كان
رجل أعمال غامض يقبّل نادلة بعد ما خطيبها السابق أهانها قدام الناس!
عدد المشاهدات كان بيزيد كل ثانية.
حاتم بص للموبايل.
وبعدين قال
ده لسه البداية.
بصيت له.
بداية إيه؟
ما ردش.
ركب عربيته.
وقبل ما يقفل الباب قال
روحي بيتك يا منار.
ليه؟
بص لي نظرة غريبة.
علشان اللي هتكتشفيه الليلة ممكن يغيّر حياتك كلها.
العربية اتحركت.
فضلت واقفة مكاني.
مش فاهمة.
لكن بعد أقل من ساعة
وصلتني رسالة من رقم غريب.
فتحتها.
كانت صورة.
صورة سامح وهو داخل مكتب بنك.
وتحتها رسالة قصيرة
اسألي حبيبك السابق عن مبلغ ال٢٤٠ ألف جنيه اللي اختفوا من حسابك.
إيدي بدأت ترتعش.
٢٤٠ ألف جنيه؟
مستحيل.
أنا أصلًا ماكانش معايا المبلغ ده.
إلا
افتكرت حاجة.
من سنة ونص، سامح قال لي إنه محتاج بياناتي عشان يخلص قرض باسمنا إحنا الاتنين، وإنه هيكون مؤقت.
وقتها وثقت فيه.
وقّعت.
من غير ما أقرأ كل الورق.
قلبي بدأ يدق بعنف.
رجعت البيت وأنا مش قادرة أتنفس.
أمي كانت قاعدة في المطبخ.
أول ما شافت وشي قالت
إيه اللي حصل يا منار؟
قبل ما أجاوب
خبط على الباب.
تلات خبطات قوية.
روحت ناحية الباب.
بصيت من العين السحرية.
راجل غريب لابس بدلة رمادي.
في إيده ظرف بني.
وخلفه عربية سوداء.
فتحت الباب بحذر.
قال
مدام منار؟
أيوه.
مد لي الظرف.
ده تبليغ رسمي.
فتحته.
أول سطر خلاني أحس إن الأرض اختفت من تحت رجلي.
إخطار بالحجز على المنزل بسبب مديونية قدرها ٢٤٠ ألف جنيه.
وقعت الورقة من إيدي.
أمي قربت مني.
إيه ده؟
رفعت عيني للراجل.
مين اللي مضى على القرض؟
بص لي للحظة.
وقال
إنتِ.
اتجمدت.
مستحيل.
التوقيع توقيعك.
أنا ماخدتش قرض!
الراجل طلع ملف تاني.
فتحه قدامي.
وفي الصفحة الأولى
كان فيه توقيعي.
وتحت توقيعي
اسم المستفيد.
سامح عبد الرازق.
رفعت إيدي على بقي.
وفجأة
موبايلي رن.
رقم غريب.
رديت.
صوت حاتم جه من الناحية التانية
منار اسمعيني كويس.
إنت عرفت؟
أنا عارف كل حاجة.
سامح سرقني؟
سكت لحظة.
وبعدين قال
سامح ما سرقكيش لوحده.
قلبي وقف.
يعني إيه؟
قال بصوت أخطر من أي وقت
في حد من عيلتك كان شريك معاه.
وسكت.
والشخص ده لسه موجود في بيتك دلوقتي.
بصيت ناحية أمي.
وفي نفس اللحظة
سمعت صوت باب أوضة بيتفتح ورايا.
لفيت ببطء.
وكان فيه شخص واقف في الضلمة.
ومسك في إيده
ملف عليه اسمي.
يتبعوقفت مكاني كأني اتسمّرت في الأرض.
الراجل اللي واقف في الضلمة كان ماسك الملف بإيده، ووشه مش باين كويس.
صرخت
مين؟!
ماما شهقت وحاولت تقوم، لكن رجليها خانتها.
الراجل اتحرك خطوة لقدام.
نور المطبخ وقع على وشه.
أنا اتجمدت.
عمي جابر؟!
عمي بص لي من غير ما يتكلم.
وبعدين بص لماما.
ماما وشها اصفر.
إنت بتعمل إيه هنا يا جابر؟
عمي قفل الملف بهدوء.
كنت مستنيها ترجع.
بصيت له.
مستني إيه؟
ابتسم ابتسامة باردة.
الحقيقة.
صرخت
إنت اللي مضيت على الورق؟!
ضحك.
أنا؟
رفعت الموبايل على ودني.
حاتم!
صوته جه فورًا
أنا سامع.
عمي بص للموبايل.
ولأول مرة، الخوف ظهر في عينه.
اقفلي الخط.
قلت
مش هقفله.
حاتم قال
منار، متقربيش منه.
عمي انفجر
إنت مالك بيها؟!
سكت حاتم ثانيتين.
وبعدين قال
أكتر مما تتخيل.
عمي بص لي وقال
إنتِ فاكرة إن حاتم ده داخل ينقذك؟
إنت تعرفه؟
سكت.
وبعدين قال
أنا أعرفه من زمان.
قلبي دق أسرع.
منين؟
عمي ما ردش.
حاتم قال من التليفون
جابر كان شغال مع أبوكي.
اتصدمت.
مع بابا؟
ماما غمضت عينيها.
كنت شايفة إن ماما عارفة حاجة.
حاجة مخبيينها عني سنين.
بصيت لها
ماما إنتِ كنتِ عارفة؟
ما ردتش.
ماما!
دموعها نزلت.
كنت خايفة عليكي.
خايفة عليا من إيه؟
جابر ضرب الملف على الترابيزة.
من نفس الناس اللي حاتم واحد منهم.
حاتم سكت.
أنا حسيت إن البيت كله بقى أضيق.
قلت
أنا مش فاهمة حاجة.
جابر قرب مني.
أبوكي ما ماتش بسبب حادثة.
اتجمدت.
بابا مات من ست سنين.
قالوا لنا وقتها إن عربيته اتقلبت على طريق إسكندرية الصحراوي.
دفناه.
بكيت عليه شهور.
لكن جابر قال
أبوكي اتقتل.
ماما صرخت
جابر!
كفاية سكوت يا مارجريت.
بصيت لماما.
اتقتل؟
ماما غطت وشها بإيديها.
وأنا حسيت إن نفسي بيتقطع.
مين قتله؟
جابر بص ناحية الموبايل.
اسألي حاتم.
ماقدرتش أتكلم.
حاتم قال بهدوء
أنا ماقتلتش أبوكي.
جابر ضحك.
هو ماقالش إنه قتله.
سكت.
حاتم قال
منار، اقفلي الباب واقفلي الشبابيك.
ليه؟
عشان في عربية واقفة قدام بيتكم من عشر دقايق.
جريت ناحية الشباك.
زقيت الستارة سنة صغيرة.
في آخر الشارع كانت عربية سودا واقفة.
الفوانيس مطفية.
جواها شخصين.
قلبي وقع.
شايفهم؟
حاتم قال
أيوه.
مين دول؟
مش عارف لسه.
جابر قال
أنا عارف.
بصيت له.
مين؟
قال
رجالة سامح.
اتصدمت.
سامح؟!
ضحك.
سامح مش هو اللي بيلعب اللعبة يا بنت أخويا.
سكت لحظة.
سامح مجرد أداة.
حاتم قال
جابر، اطلع من البيت.
مش هطلع.
لو فضلت دقيقة زيادة، هتندم.
جابر بص لي.
اسمعيني يا منار.
حط الملف قدامي.
القرض ده مش مجرد قرض.
فتح أول صفحة.
كان فيه توقيعي.
وبعدين فتح صفحة تانية.
صفحة فيها صور لعقود ملكية.
البيت.
قطعة أرض صغيرة باسم أبويا.
وحساب بنكي.
كلهم مربوطين باسمي.
قال
سامح كان بيحاول ينقل كل حاجة باسم شركة.
ليه؟
عشان لما الديون تظهر إنتِ اللي تدفعي.
دموعي نزلت.
بس ليه؟
جابر بص لي.
لأن أبوكي كان سايب وراه فلوس أكتر مما تتخيلي.
سكت.
فلوس اختفت يوم موته.
حاتم قال
وال٢٤٠ ألف مجرد جزء صغير.
بصيت للموبايل.
يعني فيه فلوس تانية؟
ملايين.
ماما شهقت.
كفاية يا حاتم.
بصيت لها.
إنتِ كنتِ عارفة؟
ماما ماقدرتش تبص في عيني.
أبوكي كان شريك في شركة كبيرة.
إنتِ قولتي لي إنه كان مجرد موظف.
كنت بحميكي.
من مين؟
قبل ما ترد
صوت تكسير زجاج دوّى في البيت.
صرخت ماما.
جابر اندفع ناحية الباب.
حاتم صاح في التليفون
منار! انزلي على الأرض!
وقعت على الأرض.
زجاج الشباك اتكسر.
رصاصة ضربت الحيطة فوق رأسي مباشرة.
ماما صرخت.
جابر شدها بعيد عن الشباك.
وفي أقل من ثواني
سمعنا صوت عربية بتتحرك بسرعة.
حاتم قال
أنا في الطريق.
قلت وأنا بترتعش
إنت فين؟
قريب.
قد إيه؟
سبع دقايق.
ضحكت بعصبية.
سبع دقايق؟! ممكن نموت فيهم!
قال بصوت ثابت
مش هسيبهم يوصلوا لك.
جابر بص لي.
حاتم عمره ما بيقول كلام وخلاص.
بعد دقائق، سمعنا عربيات كتير بتقف قدام البيت.
أصوات أبواب بتتفتح.
رجالة جريت في الشارع.
وبعدين
الباب الخارجي اتفتح.
حاتم دخل.
بدلته السودا كانت عليها نقط مطر، ووشه كان هادي بشكل مرعب.
بص لماما.
وبعدين لجابر.
وأخيرًا بص لي.
إنتِ